السعودية منذ تأسيسها وامتداد ملوكها لاتزال في طليعة الدول الساعية لتحقيق الأمن والسلم الدوليين، كدولة راعية للسلام وداعمة له، يروي التاريخ صفحات مشرّفة تشهد لها بجهود كبيرة ومضنية لنشر ثقافة السلام والوئام ودعم الأمن والاستقرار، ليس في منطقة الشرق الأوسط فحسب، وإنما على مستوى العالم بأسره..

في الكثير من المناسبات الدولية، تؤكد المملكة العربية السعودية دورها الريادي في أهمية نشر ثقافة السلام محليًا ودوليًا، وتعزيز آليات الحوار بين أتباع الأديان والثقافات المختلفة حول العالم، مؤكدة أن تعزيز مفهوم السلام يتحقق من خلال تشجيع علاقات الاحترام المتبادل، وتسوية الصراعات بالوسائل السلمية، وتعزيز الحوار والتضامن بين مختلف الحضارات والشعوب والثقافات.

وتزامناً مع اليوم العالمي للسلام، وتكريساً لتعزيز مُثله وقيمه في أوساط الأمم والشعوب وفيما بينها، جاءت كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة التي ألقاها - حفظه الله - الأربعاء الماضي، مؤكدةً استشعاره الكبير للدور القيادي المسؤول للمملكة، والذي اكتسب فيه خطاب المملكة أهمية بالغة جدًا، بوصفها رئيسًا لمجموعة العشرين، والقائد الحقيقي للعالمين الإسلامي والعربي، فضلاً عن محورية دورها المسؤول في مجابهة قضايا المنطقة ومحاربة الإرهاب والتطرف ومعالجة التحديات العالمية.

خادم الحرمين الشريفين في كلمته - حفظه الله - دعا إلى التعايش والسلام والاعتدال، والتكاتف بين دول العالم وشعوبها في مواجهة التحديات الإنسانية الاستثنائية المشتركة، التي تواجه عالمنا، مؤكداً مواقف المملكة حيال أهم القضايا والمستجدات الإقليمية والدولية، وهي مواقف ثابتة راسخة تتسم بالوضوح والمصداقية، وتهدف إلى إحلال الأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة والعالم.

ومن السلام وإليه، سأنطلق تركيزاً على جهود المملكة فيه، بدءاً من قضية "فلسطين"، التي حرصت فيه المملكة عبر تاريخها وامتداد ملوكها بالإيمان أن السلام هو الخيار الاستراتيجي للمملكة من خلال دعمها جميع الجهود الرامية للدفع بعملية السلام، ومنه فقد طرحت عدة مبادرات تاريخية للسلام منذ العام 1981م، متضمنة مبادرات سلام مرتكزة لحل شامل وعادل للصراع العربي - الإسرائيلي، يكفل حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة وقيام دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، وفي نفس المنعطف نجد أن المملكة امتداداً لجهودها عقدت ودعمت بجهودها اتفاق سلام تاريخي تم توقيعه بين حركتي "فتح" و"حماس" الفلسطينيتين في العام 2007م بمكة المكرمة.

ولم تكن المرة الأولى، التي تعقد فيها السعودية اجتماعات للسلام بين الجهات المتناحرة، فسبق لها أن جمعت فرقاء "لبنان" في العام 1989م، في اتفاق سلام تاريخي أُطلق عليه "اتفاق الطائف"، أوقفت فيه المملكة القتال بلبنان من أجل تحقيق وفاق وطني وتسوية صراع لبناني - لبناني، ومنذ بداية حربها في إبريل 1975م، حتى حالفها النجاح في اتفاق "الطائف" الشهير.

كما لم تقتصر جهود السعودية لدعم السلام على عقد اللقاءات لتوقيع اتفاقات سلام بين الجهات المتخاصمة، وإنما شملت أيضًا استخدام القوة، لنصرة الحق وتعزيز الشرعية ونجدة الملهوف، وهو أحد أوراق السلام، عندما خاضت المملكة حربًا شرسة، من أجل إعادة الحق المسلوب إلى دولة الكويت الشقيقة، التي احتلّها العراق في العام 1991م.

وفي العام 2011م، تكرر المشهد في مملكة البحرين الحبيبة التي شهدت أحداث شغبٍ بسبب تدخلات إيران، فسارعت المملكة بإرسال قوات درع الجزيرة إلى المنامة، بناء على طلب حكومة مملكة البحرين فأجهضت بذلك الرياض المخطط الإيراني في إثارة الاضطرابات داخل المنامة.

وكما يشير اتفاق السلام التاريخي في سبتمبر 2018م، الذي وقع بين إثيوبيا وإريتريا في مدينة جدة، تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - يحفظه الله - إلى مكانة المملكة السياسية والدولية التي تتمتع بها، كدولة داعمة وراعية للسلام بين الفرقاء في جميع أنحاء العالم.

كما يعيد التاريخ نفسه في دولة اليمن التي لجأت إلى المملكة، وطلبت إغاثتها وعونها في مواجهة الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران على الشرعية هناك، ومنه سارعت المملكة بتأسيس تحالف عربي إسلامي، للدفاع عن الشعب اليمني وصد العدوان الحوثي، بحزم وعزم المملكة لعودة الشرعية اليمنية إلى حكومة البلاد وتستعيد كامل سيادتها واستقلالها، ويتراجع الحوثيون عن انقلابهم.

المملكة العربية السعودية دائماً منذ تأسيسها وامتداد ملوكها، في طليعة الدول الساعية لتحقيق الأمن والسلم الدوليين، فثبتت اسمها كدولة راعية للسلام وداعمة له، يروي التاريخ صفحات مشرّفة تشهد لها بجهود كبيرة ومضنية، لنشر ثقافة السلام والوئام ودعم الأمن والاستقرار، وتقبل الآخر بين الدول أو الجهات المتناحرة، ليس في منطقة الشرق الأوسط فحسب، وإنما على مستوى العالم بأسره.