اليوم الوطني هو يومٌ تتجلى فيه معاني الحب والوفاء لهذا الكيان الكبير العزيز على نفوسنا جميعاً.. كما تتجلى فيه ذكرى تأسيسه على يد الموحد العظيم الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه -.

ومسألة التأسيس مسألةُ تكاد تكون إحدى أساطير الزمان إن لم تكن فعلاً كذلك.. فهذه الدولة المترامية الأطراف والمتباعدة الأرجاء والتي كانت وعبر عصور التاريخ والحقب الماضية نموذجاً من نماذج التفرق والتباعد بل والتناحر فلم يكن هناك ضابطٌ قانوني ولا ضابطٌ سياسي تخضع له فقد كانت قبائل متفرقة ومتناحرة، كلٌ يذود عن حياضه وعن مرتعه ومرعاه.

والسيطرة تكون عادة لمن - طالت قناته - كما يقال، فطيلة تاريخ هذه الجزيرة لا يعرف أحدٌ أنها خضعت خضوعاً سياسياً وإدارياً تحت سلطة واحدة ولواءٍ واحد.. بل كانت الهيمنة لمن طالت قناته وبرق سيفه.. كانت عبارة عن إماراتٍ متفرقة متناحرة، كل إمارةٍ تحاول نهب جارتها في دورةٍ زمنية متعاقبة دامية، حتى أذن الله لها بالأمن والاستقرار على يد المغفور له الملك عبدالعزيز، صقر هذه الجزيرة وأسدها وفارسها الذي لا يشق له غبار.

وقصة أو حكاية توحيد هذه البلاد هي أشبه بحكايات القصص التي تروى على أنها ضرب من ضروب الأساطير، وهذه ليست مبالغة فرجلٌ يقتحم مدينة كاملة بأسوارها وعيونها وحراسها وليس معه إلا عدد قليل من الرجال ثم يسيطر عليها ويخضعها لسلطته بهذا العدد الضئيل والبسيط من العدة والعتاد، إنما هو رجلٌ فذٌ وخارقٌ في البسالة والإقدام.. ولم يتوقف الأمر عند اقتحام المدينة وإنما العبقرية والحكمة والقدرة تكمن في إخضاعه وسيطرته على تلك البلدان المتفرقة والقبائل المتناحرة التي تتبارى وتتسابق بل وتتفاخر بالسلب والنهب وتتسارع في شن الغارات على مذهب قول الشاعر:

وأحياناً على بكرٍ أخينا .. إذا لم نجد إلا أخانا

هكذا كانت الحال؛ غزوات وغارات وثارات ودماء تغسلها دماء، إلى أن منّ الله عليها بذلكم القائد الملهم الذي طواها تحت أجنحته فاستقرت وهدأت ثم أخذت تنمو وتترعرع حتى شبت عن الطوق وأصبحت دولة مهيبة بل ومرهوبة الجانب من قبل المسيئين والمتطاولين وأصحاب الكيد والشر.

اليوم أصبح هذا الوطن الكبير نموذجاً من نماذج الألفة والتلاحم والتماسك، ونموذجاً من نماذج البذل والعطاء ذلكم العطاء السخي التلقائي الذي لا يتبعه منٌ ولا أذى، وتلك سجيةٌ من سجايا قادته الكرام وأهله الطيبين.. نعم إنه وطن الكرم والمحبة والخير.. فأدام الله عليه أمنه وأمانه، وجعله الله نهراً فياضاً بالخيرات والمكارم، وحفظ الله قائد هذه الأمة وولي عهده الأمين.