هناك مناهج متعددة للقراءة غير التقليدية التي تتطلب عيناً مجربة وعارفة تستطيع اختراق الجماد وسماع حديثه الخفي، بعض تلك القراءات تثير الوجدان لأنها تعود إلى التاريخ وتنتزع من الجماد تراكم الصورة الغامضة للأسلاف لكنها في كل الأحوال تقدم منهجاً ذهنياً لتفكيك الأشياء وفهم مغزاها وارتباطها بالتاريخ الإنساني..

نحن نبحث عن الأشياء التي تتحدث وتعبر عن جوهرها وتقدم نفسها كوسيط ينقل الأحاسيس والمشاعر ويجسد الوجدان الإنساني. هذه الأشياء التي غالباً ما ترتبط بحياة الناس اليومية ومعتقداتهم غالباً ما تشكل - كما يقول "آموس رابابورت" - "نظام اتصال غير لفظي والتي كتب عنها "إدوارد هول" كتاباً أطلق عليه "اللغة الصامتة" بعد كتابه الشهير "الأبعاد المخفية" التي قدم فيه دراسة عميقة كيف يبني البشر مسافات التباعد بينهم حسب المرجع الثقافي الذي ينتمون إليه.

عندما ينطق الجماد، فهو في هذه الحالة ينقل ما تعنيه الثقافة من تعقيد وتراكم ومخزون تاريخي وذائقة بصرية وأنماط للحياة وبالتالي فإن القدرة على سماع الجماد، لا تكون عبر الأذن التقليدية بل هي عبر العين من خلال التبصر.

فهناك العين العارفة الخبيرة بثقافة ما، وهناك العين المجربة التي تستطيع فك الشفرات وتعبر عن شخصية المشاهد كونها هبة لا يملكها كل إنسان. سماع لغة الجماد غالباً ما تكون عبر هذه العين المجربة التي تنتمي وتتلبس الثقافة وتعيشها بكل تفاصيلها.

ضمن مسابقة "أقرأ" نظم مركز الملك عبدالعزيز الثقافي (إثراء) ليلة الأربعاء الفائتة في الظهران جلسة حوارية كنت أحد ضيوفها بالإضافة إلى المعماري فؤاد الذرمان والدكتور إيلي حداد من لبنان في مكتبة المركز المثيرة لحد الدهشة من الناحية الفراغية والبصرية. الحوار حول التواصل عبر الأشياء الجامدة يعبر عن تراكم التاريخ الإنساني الذي غالباً ما يعطي الجماد قيمة عالية تصل أحياناً إلى القداسة.

يذكرني هذا بما قاله "هربرت ريد"، ناقد في الفنون البصرية، عندما قام بدراسة الأدوات التي كان يستخدمها الإنسان في عصر ما قبل التاريخ، لقد قال: "من النفعية إلى المقدس" وكان يرى أن الأدوات الوظيفية الصامتة صارت تتحول مع الوقت إلى أدوات مقدسة تحمل معاني كامنة ذات شفرات ثقافية عميقة لا يستطيع فك معانيها إلا المجتمع الذي ولدت فيه هذه المعاني. عندما ينطق جمال عنوان مدهش لافت للنظر، إنه تساؤل يحث على التفكير المبدع في مسألة الهوية الشائكة التي غالباً ما يتم التعبير عنها من خلال توظيف الأشياء الجامدة.

تطرق اللقاء إلى الهوية بشكل عام والهوية المعمارية بشكل خاص، وأثار الزميل الذرمان تساؤلاً مهماً هو: هل الهوية تمثل قضية ذات أولوية بالنسبة للإنسان المعاصر، ورغم أن الإجابة على مثل هذا السؤال يكتنفه الكثير من الصعوبات إلا أن موقفي الشخصي أن الهوية تمثل حاجة فطرية لا يمكن الاستغناء عنها حتى إن الله تعالى قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير)، (الحجرات: 13)، فالاختلاف أمر جوهري في الثقافة الإنسانية لكن المنظور الإسلامي هو أن هذا الاختلاف من أجل التعارف والتواصل. ويفترض أن استنطاق الجماد هو جسر للتواصل بين الثقافات الإنسانية الفسيفسائية.

والذي يظهر لي أن الناس، وبشكل عفوي، توظف الأشياء المحيطة بها والتي تستخدمها وتعيش فيها بما في ذلك العمارة لتعبر عن هويتها وشخصيتها وهو ما يتطلب من الأفراد والمجتمع بشكل عام أن يسمع حديث تلك الأشياء وكيف ترسم الصورة الذهنية عن مستخدميها. ذكرت للزملاء أن تعريف الهوية يماثل تعريف الثقافة في غموضه وتشعبه لكن كلا المصطلحين معنيان باستنطاق الجماد وتوظيفه كنظام للتواصل بين الأفراد والشعوب. ولو استعدنا عبارة "ريد" حول تحول الأشياء النفعية إلى أن تصبح أشياء ذات قداسة سوف نشعر بقيمة تراكم المعاني التي تتطلب مسافة زمنية تطول أو تقصر حسب قدرة المجتمع على استنطاق الجماد وتخزين نظام التواصل الخاص بهذا المجتمع داخل هذه الأشياء واستخدمها بشكل عفوي للتعبير عن الثقافة اليومية بكل تفاصيلها وكثافة المعاني التي تحملها.

لقد لفت اللقاء الأنظار إلى أن هناك مناهج متعددة للقراءة غير التقليدية التي تتطلب عيناً مجربة وعارفة تستطيع اختراق الجماد وسماع حديثه الخفي. بعض تلك القراءات تثير الوجدان لأنها تعود إلى التاريخ وتنتزع من الجماد تراكم الصورة الغامضة للأسلاف لكنها في كل الأحوال تقدم منهجاً ذهنياً لتفكيك الأشياء وفهم مغزاها وارتباطها بالتاريخ الإنساني. اللقاء يعكس العمق الثقافي الذي يسعى له "إثراء"، فهذا المركز الذي أسس من أجل بناء ثقافة سعودية حقيقية تعبر عن العمق الحقيقي الذي تملكه المملكة، يعمل بمثابرة عالية وجودة غير مسبوقة لتحقق هذا الهدف الخلاق.