كانت الرسائل والمكاتبات وسيلة تواصل مهمة بين القادة والسياسيين والعلماء والأدباء منذ زمن؛ وكان حضورها في العصر الحديث مميزاً مع أئمة التوحيد الذين أسسوا لهذا الكيان العظيم (المملكة العربية السعودية) منذ عهد الدولة السعودية الأولى إلى يومنا هذا، ولقد نهضت تلك الرسائل على الاعتناء بالتوحيد وما يخدم الدين والبلاد والعباد، حتى صرنا أمام مادة رسائلية غزيرة؛ تنوعت غاياتها بين تعليمية، ودينية، وسياسية، وامتازت إلى جانب ذلك بأن قامت على أساسٍ من التواصل؛ وهو ما يجعلها ذات سمة أدبية، وقيمة بلاغية، ولعل في رسائل الملك عبد العزيز - رحمه الله - بوصفها أنموذجاً ما يؤكد ذلك.

إن من يتأمل خطاب الرسائل عند الملك المؤسس - رحمه الله - يلمس أثراً أدبياً واضحاً في كثير من مراسلاته؛ فهي في أكثرها تقوم على أساس بلاغي (تداولي) تُراعى فيه ظروف المرسل، والمرسل إليه، والخطاب ذاته؛ فرسائله - رحمه الله - في هذا الباب تتميز - إضافة إلى طبيعتها التواصلية، وأبعادها الإدارية، وغاياتها السياسية، ومقاصدها الأخلاقية، وأهدافها الدينية والدنيوية - بأنها رسائل ذات منطلقات بلاغية، نظراً إلى تطبيقها القاعدة البلاغية التي تدعو إلى (مراعاة مقتضى الحال)، وأن (لكل مقام مقالا)؛ فنجد في رسائله إلى العامة مسحةً عامية تناسب أحوالَهم، وتلامس حاجاتِهم، وفي رسائله إلى العلماء أسلوباً رفيعاً ذا طابع علمي، يحتفي بهم ويقدّرهم، وفي رسائله إلى السياسيين لوناً دبلوماسياً خاصاً، يقوم على التفخيم، والحكمة، والحنكة؛ وفي رسائله إلى الأدباء لغةً رشيقةً، تعتني بجماليات اللغة وأدبياتها.

ولو تعمقنا قليلاً في خطاب رسائله - رحمه الله - إلى الأدباء تحديداً؛ لرأيناها تتسم بطابع بلاغي، وأثر أدبي، وليس أدل على ذلك ممن كان يكاتبهم الملك عبدالعزيز - طيّب الله ثراه - فقد كتب إلى أسماء أدبية لامعة، بلغة تختلف عن رسائله إلى غير الأدباء؛ فمن ذلك مثلاً الرسائل والأجوبة المتبادلة مع الأديب أمين الريحاني، وهي رسائل مليئة بصدق العاطفة، ووضوح الفكرة، وسعة الخيال، وسلامة اللغة؛ وهي إضافة إلى قيمتها الوثائقية، والسياسية، ذات قيمة أدبية مميزة، وأبعاد إنسانية متنوعة، وأهداف نبيلة واضحة.

إن من يتأمل رسائل الملك عبدالعزيز - رحمه الله - إلى الأديب أمين الريحاني يجد في كثير منها جوانب متوهجة يمكن للنقاد والباحثين إثارتها من أبواب كثيرة: بلاغية (تداولية)، وسيمائية (نقدية)، ونصية (لغوية). والحق أن الدراسات في أدب الملك عبدالعزيز - رحمه الله - وخطاباته الدينية، والسياسية، والإدارية، وتوجيهاته (الوصايا) ما زالت بحاجة إلى تكثيف الجهود من قبل النقاد والمهتمين بالأدب السعودي تحديداً؛ لكشف أدبيتها، وجمالياتها.

ونشكر دارة الملك عبدالعزيز على تبنيها لبعض الدراسات النقدية الجديدة في هذا المجال، كما يحسب لقسم اللغة العربية بجامعة حائل تسجيله رسالة ماجستير حول (شعرية الرسائل المتبادلة بين الملك عبدالعزيز وأمين الريحاني)؛ ولعل القادم يكون أغزر، فملكنا المؤسس - رحمه الله - يستحق منا أكثر من ذلك، وفي أدبه وخطابه من الرسائل، والوصايا، ما هو جدير بالبحث والدراسة.