ترك التجارة مع والده والهدوء في الهند وكانت حياته وحياة أسرته مستقرة كل الاستقرار، وكان والده من تجار الزبير الذين لهم باع طويل في التجارة، لكن الفتى طرح هذا كله مع مناصحة والده له بأن يبقى في الهند ويساعده في هذا العمل التجاري، وأصر الفتى الشاب الطموح إلاّ أن يُيَمّم نحو العراق ومسقط رأسه الزبير عندما سمع عن الملك عبدالعزيز المؤسس وتوحيده للبلاد، فقرر في نفسه أن ينضم إليه ويكون تحت قيادته وإدارته، لكن ما الطريقة المثلى للوصول لهذه الرغبة الكامنة في نفس الفتى الذي ضحى بكل شيء لتحقيق هذا المقصد؟

هذا الفتى هو المؤرخ والأستاذ والصحفي محمد بن عبدالله المانع -رحمه الله- الذي صحب الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- موظفاً مترجماً له تسعة أعوام متتاليات، عاصر وشاهد أحداثاً ووقائع دوّنها في مذكراته عن الملك عبدالعزيز بعنوان: (توحيد المملكة العربية السعودية) الذي كتبه بالإنجليزية، كتبه لمن هم يتحدثون بهذه اللغة ثم تُرجم إلى العربية بواسطة د. عبدالله العثيمين -رحمه الله- العام 1402هـ.

ولد محمد المانع العام 1326هـ -كما ذكر عبدالكريم الحقيل في كتابه (معجم المؤرخين) وفي تتمة الإعلام للباحث المعروف محمد خير رمضان، ونشأ المانع في الزبير وتعلم، ثم رحل إلى الهند- كما يذكر هو عن نفسه في كتابه: (توحيد المملكة) واستقر بها مع والده عبدالله المانع.

تجاه آخر

وكان محمد المانع -رحمه الله- من تجار الخيل، وتعلم الإنجليزية وكذا الأردية، وكان والده يعده لأن يكون رجل أعمال في الهند -كما هي عادة التجار في القديم نحو أبنائهم- إلاّ أنه كان ذا اتجاه آخر يناقض ما يريد الوالد لابنه وكانت هذه الرغبة من المؤرخ ابن مانع كامنة لم يبح بها لوالده إلاّ بعد مدة، ومكث اثني عشر عاماً في الهند وساعد والده في الأعمال التجارية مدة من الزمن واكتسب خبرة -حيث سوف يستفيد منها في مستقبل أيامه-، وكان يتابع أخبار الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه-، وكان لوالده مقصد كذلك من ابنه الذكي أن يدرس الطب في الهند ويكون أحد الأطباء إلاّ أنه امتنع وهاجر إلى العراق حيث البصرة.

تايمز البصرة

وعندما حل محمد المانع -رحمه الله- بالبصرة ذهب يبحث عن عمل يناسب مؤهلاته فلم يجد عملاً يناسبه، بل هي أقل ما يريد ويبتغي ويطمح -كانت جريدة تايمز البصرة تصدر باللغة الإنجليزية- وكان يراسل هذه الجريدة منذ أن كان بالهند، حيث كان ينشر بها ثم عاود النشر وأصبح صحفيا في هذه الجريدة -كما يذكر هو في سيرته التي كتبها في مقدمة كتابه (توحيد المملكة)، وكان رئيس تحرير جريدة تايمز البصرة صديقاً لابن مانع، ولما لم تكن رياح ابن مانع موافقة لما يشتهي -رحمه الله- إذ أنه انسحب من تايمز لظروف لم يفصح عنها سوى أنه قال: «بسبب منافسات جارية كانت في مكتب الجريدة».

وعندما صل إلى البصرة السفير ومستشار الملك عبدالعزيز حافظ وهبه والعراقي عبدالله الدملوجي -رحمهما الله- علم بهما عن طريق أحد أصدقائه فذهب مسرعاً إلى رئيس تحرير جريدة تايمز ليسمح له بإعداد لقاء معهما، فوافق وتم اللقاء ونشر وأبدى المؤرخ المانع رغبته في العمل بديوان الملك عبدالعزيز مترجماً فنقلا رغبته إلى الملك عبدالعزيز، وبعد أسبوعين جاء الرد بالموافقة -كما يروى محمد المانع في سيرته-.

تسع سنوات

ومن العام 1344هـ بدأت رحلة المؤرخ والمترجم محمد المانع مع الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- نقل هذه التجربة وسرد وقائع وأحداث شاهدها هو بنفسه، ومنها معركة السبلة فهو كان مع الملك المؤسس وروى كل ما شاهده في هذه المعركة وما قبلها وأثناءها وما بعدها من أحداث تلت هذه المعركة، كانت طبيعة المؤرخ المانع الترجمة وأعمال أخرى إدارية مع الملك عبدالعزيز قائلاً: «وبعد أسبوعين -أي من لقاء وهبه، الدملوجي- سُلِّمت برقية تفيد بتعييني مترجماً في ديوان الملك، وكان المؤسس حينئذ في مكة المكرمة وقد وصلت إلى هناك في السادس والعشرين من شهر مايو سنة 1924م -1344هـ- وأنا لا أكاد أصدق ما حدث لي من حظ سعيد، وهكذا بدأت فترة خدمتي مع الملك وبقيت في الديوان تسع سنوات كاملة كنت خلالها مرافقاً للمؤسس في كل أسفاره وكانت تلك الفترة مليئة بالأحداث. -انتهى كلامه-.

فكرة التأليف

وشهد محمد المانع -رحمه الله- بدايات قصة الزيت العربي، ويرجع المؤرخ المانع السبب في كتابه عن الملك عبدالعزيز قائلاً: وحينما انتهت خدمتي في الديوان كان لدي الكثير مما يمكن أن أقوله عن تجاربي الخاصة، وكان أصدقائي يحثونني على تأليف كتاب عنها -أي التجربة- وظلت فكرة التأليف ترادوني لكنني لم أشرع في تنفيذها إلاّ مؤخراً، ولعل ما دفعني إلى ذلك أن عدداً من أصدقائي الإنجليز أخبروني بأنهم ملوا قراءة الكتب والمقالات التي كتبها عن العرب وجزيرتهم، أوربيون جعلوا من أنفسهم خبراء فيما يكتبون بعد زيارة للجزيرة مدة لا تتجاوز بضعة أسابيع ويعتقدون أن يكتب مواطن عربي كتاباً باللغة الإنجليزية يوضح فيها وجهة النظر العربية حول تاريخ بلاده، وهكذا بدأت بتأليف هذا الكتاب الذي يجعل من توحيد جزيرة العرب موضوعه الأساسي.. انتهى كلام ابن مانع.

أسلوب جذاب

وفعلاً ابتدأ محمد المانع -رحمه الله- بأحداث لم يشاهدها وقد عاصر بعضها، وبقية الأحداث عاصرها وشاهدها وخبرها في كتابه هذا الذي يعد الجانب الذي عاصره وشاهده راوياً له عن واقع مشاهدة وواصفاً تلك الأحداث، أمّا ما لم يشاهده من أحداث منذ فتح الرياض حتى العام 1344هـ فقد ذكر أنه اعتمد على الرواية الشفهية، وليته أسند هذه الرواية الشفهية؛ لأنه رحمه الله أدرك الكثير من الأبطال البواسل والرجال الذين صحبوا الملك عبدالعزيز وعرفهم، وقد ذكر بعض هؤلاء في ثنايا كتابه القيّم الذي يعد سرداً بأسلوب جذاب وسلس وممتع، هذا ما يبدو من الترجمة للعربية، وهي ترجمة د. عبدالله العثيمين الذي يعد له فضل السبق في ترجمته للعربية ونشره للباحثين والقراء، وإن كان الكتاب لم يعد طبعه منذ طبعته الأولى العام 1402هـ -وليته يطبع مرة أخرى-، وكان كتاب المؤرخ والمترجم الشيخ محمد المانع وثيقة تاريخية مهمة ومرجع ومصدر لكل من أراد أن يدرس تاريخ تلك المرحلة وبالأخص التي شاهدها هذا المؤرخ السعودي الذي يعد من رجالات وشخصيات وأعيان هذا الوطن وكيف أنه كتب مع أنه كتب لمن يتكلم بالإنجليزية من الأجانب، ومع هذا فالكتاب يبقى مصدرا من مصادر التاريخ الحديث لهذه المرحلة من تاريخ بلادنا سواء اتفقنا معه فيما يسرد من آراء وانطباعات شخصية أثناء السرد التاريخي أو اختلفنا معه في وجهات النظر والآراء.

لقاء المؤسس

ولم يكن كتاب محمد المانع -رحمه الله- كتاب حوليات تاريخية فكان يكتب من الذاكرة بعدما بلغ من العمر أكثر من سبعين عاماً، فكان يعتصر هذه الذاكرة ويجرها جراً إلى أن تجود ما تختزنه من أحداث ووقائع ومشاهدات ورؤى، لقد كان المؤرخ محمد المانع شاهد عصر لهذه الأحداث التاريخية التي حضرها وكان قريباً جداً من الملك عبدالعزيز في ديوانه، وعرف مستشاريه مثل فؤاد حمزة ورشدي ملحس ووزير المالية آنذاك الشيخ عبدالله السليمان، وتكلم عن هذا الأخير بعمق معرفة وسبر لشخصيته، وقد عقد المؤرخ المانع فصلاً كاملاً عن ديوان الملك عبدالعزيز في الرياض وفي جدة والطائف ومكة، وتحدث عن الديوان ووصف انطباعه الأول عن أول لقاء له مع الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- يقول: «ولن أنسى أبداً لقائي الأول؛ لقد تأثرت فوراً بهيئته الجسمانية، كما تأثرت بالهالة التي تتسم بها شخصيته من حيث القوة العظيمة والذكاء والحكمة، ولقد سألني بلطف عدة أسئلة عني وعن أسرتي ثم طلب من فؤاد حمزة أن يسألني بعض الأسئلة باللغة الإنجليزية، وبعد أن أجبت عنها أخبره بأن لغتي الإنجليزية تبدو مرضية فدعاني إلى الانضمام إلى الشعبة الخارجية في الديوان»، ويقول أيضاً بعد لقائه بالملك عبدالعزيز: «كنت أشعر وأنا أغادر مجلس الملك بأنه قد درس قابليتي دراسة دقيقة، والواقع كنت متأكداً من ذلك الأمر؛ لأني بعد أن أمضيت معه بعض الوقت علمت أن أحد مهاراته العديدة القدرة على وزن الناس وزناً سريعاً مضبوطاً».. انتهى كلامه.

وصف دقيق

ومن تلك اللحظة التي قابل فيه المؤرخ والمترجم محمد المانع الملك عبدالعزيز أصبح موظفاً بالديوان وكان يعمل أربعة عشر ساعة من الفجر حتى منتصف الليل سوى أوقات الصلاة، ويتناول طعام الغداء والعشاء والراحة، وهو بذلك -كما يقول عن نفسه مسرور بهذا العمل في ديوان الملك- ولا يزال شاباً متحمس لهذا العمل، وقد كان من طموحه هذا الشيء وقد تحقق أمله مع الملك عبدالعزيز تسع سنوات متتاليات ليس هناك أي إجازات سوى يومي العيد -عيد الفطر وعيد الأضحى-، ووصف قصور الملك عبدالعزيز في جدة ومكة والطائف والرياض وصفاً دقيقاً، خصوصاً قصره في الرياض، ويجسد هذا القصر في الرياض قائلاً: وكان قصر الملك في الرياض وكانت مساحته نحو ثمانية آلاف متر مربع، وكان كغيره من بيوت المدينة مبنياً من اللبن والطين، وكان القصر ذا طابقين وأربعة أجنحة تمتد من وسطه إلى الجهات الأربع، وكان كل جناح مكوناً من غرف واسعة وقاعات ودرج وباحات، وكان الجناح الشمالي أوسعها، وكان في الطابق الأرضي منه عدة مخازن مملوءة بالأطعمة المختلفة خاصة الرز والتمر اللازمة لتموين الملك وجيشه، وكان عند نهايته مطبخ كبير يتم فيه إعداد الطعام لمن في القصر والجماهير الزائرين من البدو، وكانت فيه قدور يبلغ علو كل واحدة بين ثمانية وعشرة أقدام وتتسع لطبخ بعير كامل، وكان الطباخون يعدون كل يوم الوجبات التقليدية من الرز المسلوق واللحم لما لا يقل عن مئة ضيف، ويضيف قائلاً: وكانت أعظم معالم القصر أبراجه الأربعة التي لم يكن الغرض دفاعياً إلاّ بصورة جزئية.

تشغيل الكهرباء

ويروي محمد المانع محاولة وصول الكهرباء للمرة الأولى في الرياض العام 1930م حينما أمر الملك عبدالعزيز بشراء مولدات كهرباء لإنارة القصر الملكي، فاشتريت ثلاث مكائن بأمر الملك عبدالعزيز وأرسلتها بالشاحنات، وكان محمد رفيق -هندي الأصل- هو المشغل لهذه المكائن -كما أمر الملك- وحسب توجيهاته، ويضيف المانع: ذلك اليوم الشهير الذي توقع الناس إنارة الكهرباء القصر الملكي في الرياض، ويقول: وجاء اليوم العظيم الذي صارت فيه الكهرباء جاهزة للعمل، وكان الجميع يترقب اللحظة الباهرة، ولكن تلك اللحظة لم تتح حيث لم تشتغل المولدات وسافر المهندس محمد رفيق إلى مصر وأتى بمولد آخر في العام المقبل وأنير القصر العام 1931م، وكان الملك عبدالعزيز مهتماً وحريصاً أن يكون هذا القصر في الرياض يعمل بالكهرباء هذه بعض ذكريات المؤرخ والمترجم محمد المانع في الرياض وهي كثيرة.

وبعد عمل متواصل تسعة أعوام استقال محمد المانع، وعمل مترجماً بشركة أرامكو ثم بعدها تفرغ لأعماله الخاصة، حيث أسس منشأة صحية خاصة في الخبر وأطلق عليه: «مستشفى المانع» وهو من أوائل المستشفيات في المنطقة -ولا يزال- وبقي يدير هذا المستشفى حتى توفاه الله عز وجل العام 1407هـ رحمه الله وعفا عنه.

محمد بن عبدالله المانع
عبدالله العثيمين مُترجم كتاب توحيد المملكة العربية السعودية للمانع
قصر الحكم بالرياض والذي وصفه المانع في كتابه توحيد المملكة
نشأ وتعلم محمد المانع في الزبير
صلاح الزامل