في عصر "كورونا" تتجلى أهمية بناء الثقة وقضاء الأوقات مع الأبناء وتبادل الحوار معهم ليكون إحساسهم أولاً أن هذا الوقت هو ملك لهم ليعزز ثقتهم وأهميتهم، وهذا الوقت يستدعي خلع عباءة الأبوة بلبس روح الحب والمتعة والانطلاق الداخلي بكل أريحية في أوقاتنا معهم..

ليس من السهل تربية الأبناء في زمننا المشحون باللهثة وراء الحياة وتوترها الذي صنعناه نحن بأنفسنا، وبالمقابل ليس من الصعب أن نربي أبناءنا تربية جيدة مهما كانت ظروف "صباحاتنا" التي تبلورت تهرباً منا في رحلة مثيرة تصور الحياة المعاصرة التي تحتاج من الأجيال القادمة تمرساً لمواكبتها والتعايش معها بصفة عامة، فكل جانب في التعايش في حياتنا يتأثر بدرجة ثقتنا وتقديرنا لأنفسنا لأن الثقة هي مصدر السيطرة على السلوك والتفكير والاستقرار والإبداع.

مهمة غرس ثقة الطفل بنفسه أهم مقومات التربية وأصعبها، فالأطفال يبدؤون بتكوين صور ذاتية لأنفسهم في سن مبكرة من خلال علاقاتهم بالآخرين خاصة في الفضاء المفتوح والأثير الفسيح؛ فالثقة بالنفس لا تولد مع الطفل ولكنه يكتسبها عبر التجارب والخبرات الإيجابية والناجحة وهنا يأتي دور الوالدين والمعلمين وكل من له علاقة بالتربية بتعزيز هذا النجاح.

ولكن كيف تغرس الثقة بطفلك وتعززها؟ نستطيع بناء الثقة بالنفس لدى أبنائنا بالدعم والتقدير والقبول وتعزيز ذلك عن طريق قبول الطفل كما هو وليس كما (أنت) عليه، فالمهم أن تتركه يتصرف على سجيته ولا تحاول استنساخه منك أو جعله نسخة مصغرة منك، وكلما أظهرت لطفلك تقديرك له بجهوده وتجاربه كما هي عليه - حتى لو لم تكن مرضية لك - فإن ثقته بنفسه تزداد حتماً، لذلك دائماً الآباء يريدون أن يتصرف أبناؤهم كما يتصرفون هم ولا يقبلون بما يكون أبناؤهم عليه، وكأنهم يحرمونهم استقلالية الشخصية، وهذه مشكلة في التربية، فالقضية التي يجب أن نفهمها إذا أردنا أن نصل لأفضل النتائج هي أن نقبلهم كما هم واتجاهاتهم واستعداداتهم، وأن نوجههم نحو الصحيح، وهذه هي الركيزة الأولى لبناء الثقة بالنفس، لأن ذلك سيعلم الطفل أنك راضٍ وفخور به وبالتالي سيشعر بالرضا نحو نفسه والآخرين.

وهذا جعلني أتذكر ستيفن كوفي - صاحب كتاب العادات السبع لذوي الفعالية العالية في النجاح - وزوجته ساندرا ومعاناتهما مع أحد أبنائهما الذي كان يواجه وقتاً عصيباً أكاديمياً واجتماعياً ورياضياً حيث ركزا عليه بالتوجيهات والسلوك تجاهه باتباع أساليب التوجيه العقلي الإيجابي فلم يجدِ ذلك شيئاً ومع من؟ مع ستيفن كوفي قائد التنمية القيادية والتركيز وصناعة النجاح في العصر الحديث، مع مؤلف الكتب التي بيعت بالملايين وحققت أعلى المبيعات عالمياً، مع مدرب مئات الآلاف من البشر، ورغم ذلك لم يستطع تغيير ابنه، حتى توصل للحل مع زوجته وهو أن يفصلا نفسيهما عن نفسه وأن يستشعرا هويته وشخصيته الذاتية كما هي تماماً، فقررا الاسترخاء والتنحي عنه وإفساح المجال أمام شخصيته في الظهور بارزةً ثقته بنفسه وخلال أشهر بدأت تنمو شخصيته وثقته وفقاً لمعدله وسرعته الخاصة (هو).

وفي المنعطف نفسه، توصلت دراسة أميركية عن الثقة بالنفس للطلاب في المراحل الدراسية فوجدت أن 80 % من الأطفال في العام الدراسي الأول يتمتعون بثقة عالية و20 % من الأطفال في الصف الخامس يتمتعون بثقة عالية و5 % فقط من طلاب المرحلة الثانوية يتمتعون بثقة عالية.

ومنها نلاحظ البون الشاسع في الانخفاض الهائل لتدني مستوى الثقة بالنفس للطلاب كلما كبروا لأن العلاقة بين الآباء والمعلمين والأبناء تخف وتنشأ فيها فجوة، فالآباء هم سبب كبير فيها لأنهم لم يكوّنوا مع الأطفال علاقات مستديمة معهم ولم يتنبهوا لأغلب مشكلات أبنائهم وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، ولاعتقاد الطلاب بأن المدارس عامل إجباري لتجاوز مرحلة حياتية يمارس فيها عدد من القوانين.

وفي عصر "كورونا" تتجلى أهمية قضاء الأوقات مع الأبناء وتبادل الحوار معهم ليكون إحساسهم أولاً أن هذا الوقت هو ملك لهم ليعزز ثقتهم وأهميتهم لدى الآباء، ولكن هذا الوقت يستدعي خلع عباءة ورداء الأبوة بلبس روح المتعة والانطلاق الداخلي بكل أريحية في أوقاتنا معهم، وهذا يجعلنا نجد أنفسنا أقرب لهم ونكون بذلك أظهرنا مدى تقديرنا لهم.