حين نطالع بعض الدواوين الشعرية في العصر الحديث تحديداً يلفت انتباهنا حرص بعض الشعراء على استهلال ديوانه، والتمهيد له بآراء نقدية تنم عن حس نقدي يمتلكه الشاعر، إضافة إلى مخزونه الإبداعي؛ وأعتقد أن مثل هذا التقديم يمكن أن يشكّل ظاهرةً جديدة لم يلتفت إليها بعد؛ لا سيما أنه ملحوظ عند غير شاعر من شعراء العصر الحديث في مختلف اتجاهاتهم الشعرية؛ إذ وجد عند البارودي - الذي يمثل الاتجاه الشعري التقليدي - في مقدمة ديوانه؛ حيث يقول: «وبعدُ فإن الشعرَ لُمعةٌ خيالية يتألق وميضها في سماوات الفكر، فتنبَعِثُ أشعّتها إلى صحيفة القلب (...) وخير الكلام ما ائتلفت ألفاظه، وائتلقت معانيه، وكان قريب المأخذ، بعيد المرمى...».

كما لوحظ هذا الأثر النقدي عند نازك الملائكة التي تمثل الاتجاه الشعري الحداثي؛ حيث انطلقت من رؤية نقدية عميقة في مقدمة ديوانها (شظايا ورماد) فقالت مثلاً: «وقد يرى كثيرون معي أن الشعر العربي لم يقف بعد على قدميه، بعد الرقدة الطويلة التي جثمت على صدره طيلة القرون المنصرمة الماضية (...) لنعد إلى حديث الأوزان؛ في هذا الديوان لون بسيط من الخروج على القواعد المألوفة ...».

وقد أصبح هذا الشكل سمةً بارزةً عند الشعراء السعوديين؛ المتقدمين منهم، والمتأخرين. فعند مطالعة ديوان (شوق وشوق) لعبد الوهاب الآشي (1985م) نجده يضع هذا العنوان النقدي لمقدمة ديوانه (كلمة في الشعر والشعراء)، ويقول في مطلعها: «يدرك الإنسان، ولأول وهلة أن كلمة الشعر مشتقة من مادة الشعور (...)؛ فالشعر أسمى من أن يتناوله من يريد أن يتلمظ بالألفاظ، ويتشدق بالتعبير، ويعاظل في الكلام ...». ويغوص الشاعر أحمد سالم باعطب (2010م) في العمق النقدي عندما استهل مقدمة ديوانه (رباعيات مخضبة) بآثار نقدية تناولت الجانب الموسيقي على نحو قوله: «هناك رباعيات جاءت على وزن بحر الكامل التام المرفل، ورباعيات أخرى جاءت على وزن الكامل المذال، ورباعيات مثمنة من بحر الرمل مصرعة، ولها نظائر غير مصرعة، ولا تشط عن قواعد موسيقى البيت الشعري».

ويقول الشاعر عبد الله بن إدريس في مقدمة ديوانه (إبحار بلا ماء): «الشعر هو رئة العربي، يتنفس من خلالها آلام الحياة وهمومها (...) الشعر ملك الكلام البشري المتوج...». وليست تلك الآراء النقدية في مقدمات الدواوين مقتصرة على الشعراء السعوديين التقليديين، بل رأيناها عند الحداثيين أيضاً، كما في ديوان (عاشقة الزمن الوردي) لمحمد الثبيتي الذي قدّم رأياً نقدياً حول الشعر الحر في قوله: «يرتكز على منح التفعيلة قدراً أكبر من الحرية؛ لتمتد وتنحسر حسب ما تمليه الحالة الشعرية، ولتتمكن من احتضان التجربة الإنسانية وبلورتها. وأنا في ذلك لم آت بجديد؛ فالشعر الحر أصبح واقعاً عملاقاً، وعلامة بارزة في شعرنا العربي، بل إنه أصبح الينبوع الأعذب، والتيار الأقوى على مواكبة واقعنا الحضاري، وحياتنا المعاصرة». على أنه ربما وجد المهتمون مواطن كثيرة مشابهة في مقدمات الدواوين الشعرية القديمة، والحديثة؛ تصلح لأن يتوقف عندها بمزيد عناية وتفصيل.