رُب ضارة نافعة، هذا المثل ينطبق على قطاع التأمين الذي استفاد من أزمة كورونا وحقق أرباحاً قياسيةً في الربع الثاني 2020 حيث كان فيه الحجر المنزلي الكامل والجزئي وهذا بدوره قلل من نسب الحوادث المرورية وكذلك انخفضت مراجعة المرضى للمستشفيات وخصوصاً العيادات الخارجية، وانعكس ذلك على حجم التعويضات التي كانت تدفعها شركات التأمين بنسبة تجاوزت 26 % مقارنة بالربع الأول 2020 وارتفع صافي أرباح الشركات بالرغم من التراجع في الأقساط المكتتبة وذلك أدى إلى زيادة السيولة في شركات التأمين وخصوصاً الشركات التي لديها ضعف في التدفقات النقدية، وما حدث في الربع الثاني لن يتكرر مرة أخرى وسوف تعود المطالبات تدريجياً مع عودة الأنشطة الاقتصادية والأعمال في القطاعين الخاص والحكومي وقد تتأثر الأرباح في الربع الثالث بزيادة المطالبات إلا أن تعليق الدراسة في المدارس والاستعاضة عنها بالتعليم عن بعد سيخفض حركة المركبات في الشوارع وتقل بذلك نسب الحوادث المرورية وتنخفض فاتورة المطالبات، بالإضافة إلى التأمين الإلزامي على جميع المركبات الذي أقره المرور بداية من شهر يوليو وتطبيق مخالفة عدم التأمين عند رصد أي مخالفة مرورية على المركبات وذلك سيرفع عدد وثائق التأمين الجديدة ويزيد من حجم التدفقات النقدية، أما التأمين الصحي فمن المتوقع أن تزداد فيه المطالبات مع عودة العيادات الخارجية ومراجعة الكثير من المرضى للمستشفيات الذين أجلت مواعيدهم خلال الحجر المنزلي وسوف ترتفع إجراءات الفحوصات والعمليات والتنويم وهذا يزيد من قيمة المطالبات وتنعكس سلباً على نتائج شركات التأمين المنكشفة على التأمين الصحي.

حقق قطاع التأمين أرباحاً تجاوزت 940 مليون ريال في الربع الثاني 2020 مقابل أرباح في حدود 161 مليون في الربع المماثل من العام السابق بنسبة نمو 484 % كان نصيب الأسد من هذه الأرباح لشركة بوبا التي استحوذت على 41 % من إجمالي أرباح القطاع، واستحوذت شركة التعاونية على 20 %، بينما حققت الراجحي تكافل حوالي 9 % من الأرباح، وبذلك سيطرت 3 شركات على أكثر من 70 % من الأرباح، بينما تنافست 30 شركة على 30 % من أرباح القطاع، وهذا يعيد الحديث مرة أخرى إلى ضرورة تقليص الشركات العاملة في السوق السعودية عبر الاندماجات بين شركات التأمين الصغيرة والذي بدأ فعلياً يتسارع لإبرام صفقات اندماج بتشجيع من السلطات المالية لمواجهة خسائرها الناجمة عن ضعف إمكاناتها، إضافة إلى محاولة مواكبة الإصلاحات الاقتصادية والمالية المتسارعة في أسواق المال السعودية، أول اندماج بين شركات التأمين حدث هذا العام بين شركة ولاء للتأمين التي استمرت ودمجت شركة متلايف إيه آي جي العربي بعد إصدار حوالي 12 مليون سهم لصالح مساهمي متلايف وبذلك أصبح رأس مال الشركة بعد الاندماج حوالي 646 مليون ريال، أما شركة الجزيرة تكافل فقد أعلنت الأسبوع الماضي عن توقيع اتفاقية اندماج ملزمة مع شركة سوليدرتي السعودية للتكافل عن طريق مبادلة أسهم لشراء كامل أسهم مساهمي شركة سوليدرتي السعودية للتكافل وبذلك يصبح رأس المال الجديد بعد الاندماج حوالي 471 مليون ريال، ولم يتبقَ إلا موافقة الجهات الرسمية، أما شركة اتحاد الخليج للتأمين التعاوني فقد حصلت على الموافقات الرسمية وتعمل الآن على زيادة رأس المال لغرض دمج الشركة الأهلية للتأمين التعاوني في شركة اتحاد الخليج للتأمين التعاوني وسوف يرتفع رأس مال الشركة إلى 229 مليون ريال، الصفقة الأخرى هي صفقة الاندماج بين الأهلي تكافل وتشب العربية للتأمين والتي لاتزال في مرحلة المناقشات المبدئية بينهما، وأعتقد بأنها سوف تتم لأن كل مناقشات الاندماج السابقة بين شركات التأمين تقدمت إلى مراحل العقود الملزمة وبعضها وصلت إلى حد الموافقات الرسمية والحقيقة أن شركات التأمين لا يمكن أن تستمر في السوق بدون اندماجات لأنها نشأت ضعيفة برؤوس أموال في حدود 100 مليون ريال وهذا غير كافٍ لمواجهة مخاطر التأمين، ربما كان هدف مؤسسة النقد عند وضع حد أدني لرأس المال 100 مليون كان لغرض تشجيع شركات التأمين في دخول السوق السعودية بعد أن كانت لسنوات طويلة تمارس أعمالها في الداخل عن طريق وكلاء، وبعد المعاناة الكبيرة التي واجهت شركات التأمين خلال السنوات الماضية أصبحت مؤسسة النقد هي التي تحض الشركات على الاندماج، ومن وجهة نظري الاكتفاء بعشر شركات تأمين قوية برأس مال يتجاوز مليار ريال كافية جداً للسوق السعودية، ولذلك لابد أن تستمر عمليات الاندماج وبسرعة قبل أن تصل الشركات إلى مرحلة عدم القدرة على الاستمرارية لأن قطاع التأمين ينطوي عليه مخاطر عالية جداً، وهو من أخطر القطاعات في السوق بسبب الخسائر التي لا يمكن التنبؤ وارتفاع قيمة المطالبات التي تتأثر منها الشركات الصغيرة وخصوصاً التي لديها ضعف في عدد وثائق التأمين المكتتبة وتراجع في التدفقات النقدية، بل إن شركات تأمين كبيرة مثل التعاونية قد تعاني من ارتفاع المطالبات وقد عانت فعلياً خلال عامي 2017 و2018 وتسببت لها بخسائر كبيرة، ولم تسلم من الخسائر إلا شركة بوبا التي تخصصت في التأمين الصحي فقط، ولذلك استطاعت أن تدير مخاطرها باحترافية عالية وذلك بتعيين متخصصين من الأطباء والصيادلة لمراجعة إجراءات المؤسسات الصحية ومنع أي تلاعب في المطالبات أو أي ارتفاع غير مبرر في الفحوصات أو الأدوية.