يلفت الأنظار الدكتور الفرنسي "جان كلود آميسن Jean-Claude Ameisen" من مواليد العام 1951، وهو جان كلود أميسن والذي يأتي تعريفه في ويكيبيديا بصفته الطبيب وعالم المناعة والباحث في علم الأحياء، والمدير لمركز دراسات الحياة في معهد باريس للعلوم الإنسانية بجامعة باريس "Diderot"، والذي شغل لأربع سنوات منذ 2012 منصب مدير اللجنة الاستشارية الوطنية للأخلاقيات، لكن كل ذلك لا ينجح في تعريف هذا العالم الذي ما إن يظهر في حوار حتى يعم الحضور والمشاركين عمق وسكينة، تجدهم يرهفون السمع لحكمة هذا الرجل الذي يتناول في أطروحاته الإنسان ومسألة بقائه والأرض ورفع النير عنها، محاور لا يفقد سكينته بوجه أعتى المعارضين وأعوص المواضيع، لكأن ولادته في مدينة نيويورك قد جعلته يجمع القارتين بالأطلسي بينهما في فلسفة خاصة تسعى لوضع الإنسان في مركز المسؤولية تجاه الحياة انطلاقاً من وعي بتلك المسؤولية، ولعله يمكن إعطاء نبذة عنه من خلال المؤلفات العديدة التي نشرها وبالأخص من عنوان البرنامج الذي كان يقدمه "على أكتاف داروين Sur les épaules de Darwin" الذي يعرض في قناة " فرانس انتر"، و يأتي افتتانه بداروين ليس بالأخص لكونه المؤسس لنظرية النشوء والتطور وإنما لأنه يرى في داروين ما يشبه العراف الذي يقرأ تداعيات بصمة الإنسان على كوكب الأرض، حيث تنبأ داروين منذ العام 1871 بأن الإنسان سيدمر في مسيرته كل شيء، كل الحياة الفطرية والنباتية على كوكب الأرض ولن يبقى سوى الكم القليل الذي سيقوم بخزنه والحفاظ عليه في "الحدائق المصنوعة botanical gardens "، وهي نبوءة نراها يوماً وراء يوم تتحقق تدريجياً على سطح الأرض الذي فقد حتى الآن القدر الكبير من رئاته أو الغابات الاستوائية المطيرة، والتي تمثل رئات الأرض لكونها تسحب ثاني أكسيد الكربون بشكل عام وتبعث الأكسجين، بصمة بشرية لا يستهان بها وتتوالى تداعياتها في الأعاصير المتلاحقة وليس آخرها الإعصار ماركو والإعصار لورا اللذان ضربا القارة الأميركية مؤخراً بحيث لم يتركا للمدن المتضررة فرصة لالتقاط الأنفاس، وأيضاً الحريق الذي فتك بكاليفورنيا تؤججه الرياح التي لم يُشهد لقوتها مثيل من قبل، أو الفيضانات التي ضربت أفغانستان والهند، كل ذلك في فترة لا تزيد على الشهر، تعبيرات احتجاج يرفعها كوكب الأرض تدعو الإنسان للتريث والتراجع، أو ربما هي بداية النهاية التي لا مرد لها.

جان كلود أميسن من أصل بولندي جاء من خلفية مرهفة ورثها من أمه الفنانة وشقيقته الطبيبة وكاتبة الأغاني، لنجد هذا الجمع بين العلم والفن والطب والفلسفة في هذه الأسرة المميزة ، ولكأنما يحمل جان كلود شعلة للتطور البشري، ويسعى من خلال أطروحاته ومشاركاته في مؤتمرات التنوع البيئي ورئاساته الجان مراجعة استراتيجيات التنوع البيئي ليرتقي بالوعي الإنساني من خلال المواضيع التي يناقشها مع ضيوفه، حيث لا نجاة للحياة على الأرض إلا من خلال الارتقاء بالوعي والحس بالمسؤولية من قبل البشر، مسؤولية تجاه كافة المخلوقات وبالأخص تلك التي تبدو في ظاهرها تافهة، لكنها تساهم في التوازن الإعجازي للحياة الفطرية الضرورية لبقاء الإنسان، لكأنما تخصصه في علم مناعة الجسد البشري يتمدد ليبحث في مناعة النفس من الانحدار للجشع، بل ويتمدد أبعد ليبحث في مناعة الطبيعة والحياة الفطرية حولنا. نظرة طموحة تستحق التوقف والتأمل.