كانت الرسائل لدى العرب قديماً وسيلةً من وسائل التأليف، وليست جنساً أدبياً قائماً على المراسلة الإبداعية فحسب؛ إذ شكّلت في بعض صورها باباً من أبواب الكتابة العلمية الدقيقة؛ يقيم الكاتب من خلالها منهجاً معيناً، ويصنّف عن طريقها في موضوعات متنوعة، وفصول مختلفة، وقد رأينا ذلك جلياً في الرسائل التي كُتبت قديماً في مجالات الدين، واللغة، والأدب، والتاريخ، والجغرافيا، ونحوها.

غير أن اشتمال الرسالة على النقد كان ملحوظاً عند كتّاب الرسائل الأوائل، وتعد (رسالة في الكشف عن مساوئ شعر المتنبي) للصاحب بن عباد (385هـ) أنموذجاً للرسالة النقدية، حيث انطلقت أفكارها النقدية من وحي الرسالة وأسلوبها، فهي تبدأ بقوله: «أما بعد، أطال الله مدتك، وأدام في العلوم رغبتك، فالهوى مركب يهوي بصاحبه، وظهر يعثر براكبه..»؛ وقد صنّفها منقّبا عن هزيل شعر المتنبي ورديئه؛ فقامت في مجملها على نقد تحليلي عميق، يصلح دليلاً على منهجية النقد لدى القدماء. كما ظهرت رسائل نقدية أخرى مشابهة لرسالة الصاحب فيما بعد، كالرسالة الحاتمية، لأبي علي محمد بن الحسن الحاتمي (749هـ)، التي نهضت على ما وافق فيه المتنبي حكمة أرسطو وفلسفته. ولو رمنا عد الرسائل النقدية لدى العرب قديماً لظفرنا بنماذج كثيرة؛ سواء كانت الرسالة في مجملها نقداً، أو انزوت ضمن جملة رسائل مختلفة.

وإذا يممنا نحو العصر الحديث فإننا لا نعدم حضور النقد في بعض الرسائل، ويمكن أن نجد عند الرافعي (1356هـ) بعض آراء نقدية في كتابه (رسائل الأحزان) على غرار قوله: «وما هو الشعر؟ (...) والشعر هو العاطفة بعينها، وهو الأثر، وهو المعنى (...)، وما الشعر إلا أول المعاني المبهمة ...»؛ وإن كانت تلك الرسائل النقدية منضوية ضمن رسائل أخرى، وتأتي بلون فلسفي. كما لمسنا في بعض الرسائل المتبادلة بين الشعراء المعاصرين أفكاراً نقدية، كما هي الحال مثلاً بين محمود درويش، وسميح القاسم؛ ففي بعض رسائلهما نجد مثل هذا الرأي النقدي: «سنحاول إفلات النص من ضفافه؛ إذ لعل أبرز خصائص الكتابة هي فن تحديد الضفاف الذي يسميه النقد بناءً».

وقد فشت ظاهرة الرسائل النقدية أيضاً عند الغربيين؛ فرأيناها مثلاً ضمن بعض مدوناتهم الرسائلية، كما هي الحال عند الفرنسي (مارسيل بروست 1922م) الذي تحدث في بعض رسائله عن الرواية منطلقاً من رؤى نقدية عميقة، وكذا وجدنا في بعض مراسلات الروسيّيَن (مكسيم غوركي 1936م)، و(أنطون تشيخوف 1904م) تعليقاتٍ نقدية؛ غير أن كتاب (رسائل إلى روائي شاب) للبيروفي المعاصر (ماريو بارغاس يوسا) الذي ترجمه صالح علماني يعد من أحدث الرسائل النقدية؛ وهو كتاب رسائلي قام على أسلوب حكائي ماتع موجه إلى المبتدئين والمتمرسين في كتابة الرواية، واشتمل في أكثره على نقد روائي منضبط لأهم عناصر الرواية الفنية.