إحدى التجارب الدولية التي حولت قطاع التعليم العالي إلى مصدر للنمو الاقتصادي هي المملكة المتحدة، حيث يتحدث الخبراء الإنجليز عن أن قطاع التعليم العالي -الغالبية الساحقة للجامعات البريطانية هي جامعات حكومية- أصبح يساهم بما قيمته 2,4 ٪‏ من الحجم الإجمالي للاقتصاد البريطاني GDP، وهو يمثل أربعة أضعاف ما يساهم به قطاع الزراعة في الاقتصاد البريطاني (0,6٪‏). وتشير إحدى الدراسات إلى أن التعاون والمشاركة في البحوث التطبيقية بين الجامعات البريطانية وقطاع الأعمال يساوى ما قيمته 3,4 بلايين جنيه إسترليني، ولا يقتصر هذا التعاون البحثي على تخصصات مثل الهندسة (هناك 6260 مشروعاً مشتركاً) ولكن امتد كذلك للعلوم الإنسانية (386 مشروعاً). هناك أيضاً ما يضيفه الطلاب الأجانب للاقتصاد البريطاني في صورة مصاريف دراسية (يدفع كل طالب أجنبي متوسط 12 ألف جنيه إسترليني سنوياً بالإضافة لمصاريف المعيشة). وتشير دراسة صادرة عام 2015، إلى أن الطلاب الأجانب أضافوا لاقتصاد مدينة لندن فقط ما قيمته 8,2 مليارات جنيه إسترليني سنوياً.

ويبقى السؤال: هل يمكن أن يصبح التعليم العالي في السعودية مصدراً للدخل ومحركاً للنمو الاقتصادي، وأن نستفيد من التجربة البريطانية في هذا الصدد؟ والإجابة بالتأكيد نعم، بل هناك أيضاً العديد من أفكار إصلاح هذا القطاع الموجودة بأرشيف وزارة التعليم منذ سنوات، وأخرى يعكف مجلس شؤون الجامعات حالياً على تطويرها، ولكنها في النهاية تحتاج إرادة التنفيذ.

من الأفكار المعمول بها عالمياً؛ إنشاء جامعات أهلية (وليست خاصة) في شراكة بين الجامعات الحكومية والمجتمع الأهلي، وتقدم خدمة لأبناء الطبقة المتوسطة الذين يحجمون عن دخول الجامعات الحكومية في وضعها الحالي وفي نفس الوقت لا يستطيعون دفع المصاريف الباهظة لبعض الجامعات الخاصة، علماً بأن التعليم الموازي الذي كان موجوداً بالفعل داخل العديد من الجامعات الحكومية في صورة برامج للدراسات العليا، ويتم استثمار جزء من عائدها المادي لباقي الطلاب الذين لا يدرسون بهذه البرامج، وهو نفس المنطق الذي تقوم عليه الجامعات الأهلية والتي لن تستهدف الربح، بل ستقوم باستثمار وتدوير الفائض المالي في العملية التعليمية، وتخفف العبء عن موازنة الدولة.

هناك أيضاً الأفكار المتعلقة بإعطاء المزيد من الاستقلالية للجامعات في إدارة وتنمية مواردها المالية، وتطبيق برامج دراسية تتماشى مع متطلبات السوق داخل السعودية وخارجها، وإقامة شراكات مع الجامعات الدولية، وجذب الطلاب العرب والأجانب للدراسة فيها من خلال وضع ضمانات للجودة وتسهيل تأشيرات الدخول والإقامة، والأفكار كثيرة ومعظمها لن يكلف الدولة أي أعباء مالية جديدة بل على العكس سيخفف من هذه الأعباء، ودول العالم لم تعد تنظر للتعليم العالي على أنه مجرد أداة للحراك الاجتماعي أو لتعزيز قوتها الناعمة في محيطها الدولي، ولكنه مصدر للنمو الاقتصادي.

التعليم العالي في السعودية يمثل ثروة اقتصادية كامنة، لن تستطيع استثمارها والاستفادة منها إلا بتبني رؤية جديدة، وتوافر قيادات تملك شجاعة التنفيذ، ولعنا نشهد مع نظام الجامعات الجديد هذه النقلة النوعية في صناعة التعليم العالي في بلادنا وجعله مصدراً للنمو الاقتصادي.