أحب مشاهدة الوثائقيات السيرية، بالأخص التي تتحدث عن الفن، وتكون أكثر جذباً إذا كانت عن امرأة مبدعة وخلاقة. شاهدت فيلماً يتحدث عن حياة وفن وإبداعات فرانكا سوزاني، رئيسة تحرير مجلة فوغ الإيطالية السابقة. صنع الفيلم ابنها، وهذه المرة الثانية أشاهد ابناً يصنع فيلماً عن والدته غير الاعتيادية. فرانشيسكو كاروزيني، المصور والمخرج والابن الوحيد لفرانكا قام بسرد حكايتها وإبداعها في هذا الفيلم.

بينما يبدو للبعض أن الحديث عن مجلة فوغ هو حديث عن فن سطحي وعابر، لكن مشاهدة الفيلم تبين كيف يمكن لعين مختلفة كعين فرانكا سوزاني أن تغير من هذا المفهوم، وأن تكرس أعداداً من مجلتها التي تتحدث عن الملابس والموضة لتضع صوراً تخلط بين الأزياء وموضوعات شائكة مثل العنصرية، والعنف المنزلي، وجراحة التجميل والبيئة. صور قاتمة أحياناً وتبعث شعوراً مختلطاً بين تقدير الفن وبين الانزعاج الذي تخلقه الموضوعات التي تقوم عليها هذه الصور. وصور فيها الكثير من خفة الظل والتهكم على النساء مدمنات عمليات التجميل. أعمال مبهرة تعرضها سوزاني بالاعتماد على عبقرية مصورين تصطفيهم للتعبير عما تريد أن تقول.

المرأة القوية المبدعة - توفيت فرانكا العام 2016 - لم تكن تصنع الفن لكنها كانت تعرف كيف تبحث عن الأشخاص الذين يقومون بذلك، عبقريتها كانت تكمن في ذلك، وبالطبع في القيادة واختيار الموضوع والنظرة الشاملة وقدرتها على المضي بفوغ الإيطالية للتحدث عن أمور لا يتحدث عنها عالم الأزياء في العادة.

في بداية عملها كرئيسة تحرير العام 1988، كانت مهددة بالفصل نتيجة اختيار موضوعات وصور راديكالية وغريبة على هذا العالم. لكنها استطاعت الاستمرار بقوة شخصيتها وإبداعها المتجدد، اللحظة التي يخرج فيها العدد للنور، يصبح قديماً، وعليها أن تبحث عن فكرة أخرى جديدة للعدد المقبل.

الفيلم يتحدث عن حياة فرانكا سوزاني، علاقتها بوالدها الذي كانت تراه عبقرياً، ووسيماً، وديكتاتوراً في المنزل، لكنه ساحر ومهتم. دراستها، عملها، حياتها الخاصة التي لم تكن ناجحة لانشغالها بعملها طوال الوقت، والأهم علاقتها بولدها الذي كانت تصحبه إلى أماكن عملها فتربى وهو يشاهد مختلف مصممي الأزياء، يلعب في بيوتهم ويذهب مع أمه إلى منتجعاتهم أثناء عملها معهم.

الشيء الذي ترى أنها تضيفه لعملها، تقول فرانكا بثقة: إنه الحلم، هي تصبغ أعمالها بالحلم.

بالنسبة لباولو روفيرسي، أحد المصورين العباقرة الذين عملوا معها: فوغ الإيطالية كانت سيرة ذاتية لفرانكا سوزاني، وهي تختار من المصورين من يساعدها على كتابة هذه السيرة.

هذه السيرة التي صورها ولدها في هذا الفيلم بنجاح باهر هي التي عرفتني على امرأة مبدعة وقوية وحالمة في الوقت نفسه.