السلام اليوم هو عملية مشتركة بين دولة إسرائيل وبين فلسطين كقضية تمثل نفسها تاريخياً وعليها أن تستثمر فرص السلام، ولعل أهم رسالة يمكن لإسرائيل اليوم التقاطها هي كما قال الكاردينال مازارين "من يريد العيش بسلام فعليه التخلي عن الكثير من الرفاهية.. (السياسية)"

كل ما يمكن خشيته اليوم فيما يخص القضية الفلسطينية سواء في الجانب الشعبي العربي أو على مستوى الدول الباحثة عن السلام، أن تبدأ ظاهرة التآكل في المواقف العربية الشعبية والسياسية كنتيجة طبيعية لذلك المشهد الحاد الذي يتم التعبير عنه حول فلسطين وقضيتها، وهذه الحقيقة ليست مرتبطة بمواقف الدول العربية وتبايناتها تجاه القضية الفلسطينية، فكل الدول العربية لديها مواقفها الخاصة التي تعبر عنها، والبعض منها يتمسك بمواقفه ويعلن صراحة وقوفه مع حلول لهذه القضية، ولكن السؤال الذي يجب أن يستوقفنا هنا يقول: ما حجم الضعف وما نوعه والذي وصلت إليه القضية الفلسطينية بمواقفها، وهل عزز ذلك مواقف القوى المنافسة لها؟

ليست إسرائيل على حق في كل ما تفعله في فلسطين، وفي نفس الوقت ليس كل ما قامت به السلطة الفلسطينة من مواقف سياسية يصب في صالح قضيتها بشكل مباشر، بل إنه أصبح من الصعب على العرب البحث عن إجابة واضحة لسؤال: ماذا يريد الفلسطينيون من إسرائيل وماذا تريد إسرائيل منهم؟، هذا التعقيد في صيغة المواقف في الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي والاستمرار التاريخي في تباين الحلول، ساهم في إرباك طبيعي وصلت اليه الشعوب العربية والقيادات السياسية، لأن الأزمة الأكبر أنه عبر تاريخ القضية لم يستطع أي أحد أن يصرح علانية بماهية الحجم السياسي الفعلي للقضية.

أما السؤال القادم فيقول: ما حجم القضية الفلسطينية في العقليات الثلاثة؛ الفلسطينية والعربية والإسرائيلية؟، ليس هناك اتفاق واضح حول هذا الحجم سياسياً بين رموزها الثلاثة، فحتى مقاربات الحلول للقضية الفلسطينية تفقد بسرعة بمجرد ظهورها، إسرائيل تقول إن الفلسطينيين لا يقبلون الحلول، والفلسطينيون يُقال عنهم إنهم يرفضون عروض السلام، ونحن في ظل هذا المسار نستمر في فقدان الفهم الدقيق لتحولات واقعية حدثت تاريخياً، وكانت خلفها مسارات سياسية دولية وقيادة لحركة التاريخ باتجاه واحد خدم مصلحة طرف بعينه.

في ذاكرة التاريخ حصل الفلسطينيون على خطة تقسيم تقدمت بها الأمم المتحدة في العام 1947م، كانت تقوم على منحهم 45 % من الأراضي لإقامة دولتهم، ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم امتلأ الفراغ التاريخي للقضية بين عامي 1947 وحتى 2020 بكم كبير من المبادرات والفرص لكلا الطرفين، ليعود السؤال من جديد حول فكرة إمكانية حدوث التآكل في القضية الفلسطينية على جميع المستويات، فمن هم المخفقون في التنبّؤ بهذه التطورات، وهل كانت القضية تؤخذ بطريقة المحاولة والخطأ للوصول إلى حلول؟

بالغت إسرائيل تاريخياً بفكرة أمنها القومي عبر تصورات بعيدة المدى ومساحات جغرافية لا تتناسب سياسياً مع حجم سكانها القليل، وعملت على ضرورة تقبل العالم لهذه المبالغة من دون أدلة سياسية مقنعة، وفي المقابل طرح العرب رؤيتهم إلى إسرائيل كواقع يحدث مع مرور الزمن وقدموا الكثير من المبادرات، ولعل أكثر هذه المبادرات رسوخاً مبادرة السلام العربية القائمة على أساس حل الدولتين.

إسرائيل كانت دائماً تميل إلى منطق القوة لتحصل على ما تريد، بينما جنح العرب إلى الصلح في مرات عديدة، وبدا أن السلام كان قريباً في مبادرات بعينها وبعيداً في مبادرات أخرى، الحقيقة المطلقة أنه ليس هناك من الشعوب العربية أو قياداتها السياسية من سوف يقف يوماً من الأيام ضد القضية الفلسطينية، وهذه حقيقة تاريخية راسخة، ولكن التفاوت في الموقف من القضية هو من يضعنا أمام هذه الصورة التي تبدو مربكة عند النظر اليها فسببها أن أحداً لا يرغب في البوح بالحجم السياسي للقضية من جانبه.

مع كل تطور سياسي حول القضية الفلسطينية سواء كان مبادرة للحل أو عقد سلام مع إسرائيل يدخل الجميع في عالمنا العربي في مناقشات حادة أكثر ما يميزها تعارض الآراء وقلة القدرة على إثبات الحقائق، لأنه ليس هناك من يستطيع أن يثبت أنه على حق، لقد وصلنا إلى مرحلة أن تقوم دول بحجمها السياسي بالرد على آراء يتبناها الشارع سواء في داخل فلسطين أو خارجها.

إن صنع السلام قضية مهمة ولن يحدث الاستقرار والسلام في المنطقة مهما بالغت إسرائيل بفرض قوتها العسكرية أو السياسية، ومهما وصلت القضية إلى مراحل متقدمة من الضعف والوهن، لقد تجاوز بنا التاريخ زمن الحلول الطرفية، فلم تعد الحلول مرتبطة بالطرف العربي برمته لينهي الوجود الإسرائيلي، السلام اليوم هو عملية مشتركة بين دولة إسرائيل وبين فلسطين كقضية تمثل نفسها تاريخياً وعليها أن تستثمر فرص السلام، ولعل أهم رسالة يمكن لإسرائيل اليوم التقاطها هي كما قال الكاردينال مازارين "من يريد العيش بسلام فعليه التخلي عن الكثير من الرفاهية.. (السياسية)".