انظر للطفل كيف يرسم: صورة الشمس بالألوان، الأفق، الجبل، شجرة. يتطور الإنسان من رسم الأشياء التي يراها إلى رسم الأشياء التي يعرفها، الطفل يرسم بلا اكتراث للمسافات بين الأشياء ومواقعها ويتطور إلى أن يرسم ويصور أشياء على خرائط، مثل مجرات كاملة تمثّل صُورياً. الخريطة ليست مجرد وسط يخزن وينقل المعلومات، بل هي تمثل نوعاً معيناً من الرؤية التفكيرية كما يقول الكاتب العلمي نيكولاس كار. مع تطور صناعة الخرائط فإن انتشارها أيضاً نشر نظرة صانع الخريطة، طريقته في التفكير في العالم وتَصوره ورؤيته، لما زاد استخدام الناس للخرائط تغيرت نظرتهم للحقيقة لتشابه تمثيل الخريطة لها.

أتت الساعة، إن الذي فعلته الخريطة بالمساحة فعلته الساعة للوقت، الناس - لمعظم التاريخ البشري - شعروا بالوقت، رأوه أنه تيار متواصل دوري، لم يكن هناك حاجة لتقطيع اليوم إلى أجزاء صغيرة وحسابه بدقة كما نفعل اليوم، لمعظم الناس فإن حركة الشمس والقمر والنجوم هي الساعة الوحيدة التي يحتاجونها، قال المؤرخ الفرنسي جاك ليجوف إن حياة الماضي سيطرت عليها الوتيرة الزراعية، خالية من العجلة، مرتاحة من الإتقان الصارم، غير مبالية بطغيان الإنتاجية.

الساعة ظهرت قبل مئات السنين، كانت تتخذها القرى والمدن (مثل أبراج الساعات) ثم مع تقدم التقنية صغرت وجعلها المرء في غرفته بل التفّت على معصمه، وهذا كان له تأثير كبير، غيرت الساعة نظرتنا لأنفسنا، ومثل الخريطة فقد غيرت طريقة تفكيرنا، الساعة أعادت تعريف الوقت على أنه سلسلة من الوحدات متساوية الفترة وبالتالي عقلنا بدأ يهتم أكثر بالعمل الذهني المنهجي القائمة على التقسيم والقياس، بدأنا نرى في كل شيء الأجزاء التي تُكوّن الكل ومن ثم بدأنا نرى الأجزاء التي تكوّن الأجزاء. صار تفكيرنا أرسطوياً من ناحية تركيزه على إدراك وإبصار أنماط تجريدية تتواجد خلف مظاهر الأشياء الظاهرة للعالم المادي المحسوس.

بدأت الخريطة ثم أتت الساعة والتي لعبت دوراً أساسياً في إخراج البشر من العصور الوسطى إلى الزمن الحديث، هل كنت تتخيل هذا التأثير لهاتين الصغيرتين؟