العلاقات الاجتماعية بالنسبة لسكان المناطق العشوائية مقدمة على الخدمات، لذلك لا يجدون بأساً في البقاء في تلك الأحياء، ويشجعون أبناءهم على البقاء فيها حتى لو تم توفير مساكن أخرى أكثر ملاءمة.. 

في البداية لا بد أن أشير إلى أن تعريف المناطق العشوائية ملتبس وغير واضح فهناك من يدرج المناطق التاريخية والتراثية وسط مدننا في الوقت الراهن. كما أن أسباب نشوئها والقصور الإداري والتطويري أدى إلى تفاقم هذه الظاهرة إلى أن أصبح من الصعوبة بمكان وضع حلول سريعة لها لتعقد الجانب الاجتماعي الإنساني والجانب الاقتصادي المرتبط بها، فهذا يعتبر إحد القضايا التي تحتاج إلى بحث في تاريخ الظاهرة والتي أشك أن أحداً قام بمثل هذه الدراية. يجب أن نقول إن ظاهرة العشوائيات ليست جديدة بل هي ظاهرة منتشرة في جميع أنحاء العالم خصوصاً في إفريقيا وأميركا اللاتينية وكثير من المدن العربية الكبرى، وهي من سمات القرن العشرين على وجه الخصوص ونتيجة للتطور العمراني السريع للمدن بعد الحرب العالمية الثانية بالتالي فإننا نواجه ظاهرة إنسانية عالمية تمت دراستها ووضع تصورات لحلول لها أغلبها ركزت على تحسين الوضع القائم والبحث عن بدائل تطويرية لهذه المناطق بدلاً من تهجير السكان الذي يقول علماء الاجتماع أن له عواقب وخيمة وخطيرة على المجتمعات المعاصرة. إذاً نحن أمام مأزق حقيقي يصعب وضع حلول جذرية له وهو ما قد يؤدي إلى تصاعد المشكلة في المستقبل خصوصاً مع الضعف التنظيمي والتشريعي الذي أشار له العديد من المتخصصين في المملكة.  

ولعلي هنا أطرح جانباً مهماً لم يتعرض له كثير ممن أثاروا قضية العشوائيات خصوصاً بعد جائحة كورونا التي كشفت عن الأزمة بشكل واضح. هذه الظاهرة هي "ثقافة الفقر" Culture of Poverty التي غالباً ما تميز هذه المناطق على وجه الخصوص. ثقافة الفقر تم تعريفها على أنها "بنية اجتماعية" ليس من السهولة تفكيكها، أو بعبارة أخرى لا ينصح بتفكيكها كونها تمثل نظاماً اجتماعياً قائماً على التكافل بين السكان مما يجعل هؤلاء السكان يفضلون البقاء في المناطق العشوائية التي تتلاءم مع نظامهم الاجتماعي القائم على التعاون بين الأسر والدعم الذاتي الذي يعزز من البقاء وتحقيق الاكتفاء الذاتي.  

يتميز السكان في المناطق العشوائية بالتناغم الاجتماعي فيما بينهم، حتى وإن كان باقي أحياء المدينة يصفهم بالشذوذ عن القاعدة العمرانية المعاصرة التي تتوفر فيها الحدود الدنيا من الخدمات والحياة الكريمة. العلاقات الاجتماعية بالنسبة لهؤلاء مقدمة على الخدمات لذلك لا يجدون بأساً في البقاء في تلك الأحياء ويشجعون أبناءهم على البقاء فيها حتى لو تم توفير مساكن أخرى أكثر ملاءمة.  

من تجربتي الشخصية، عملت مستشاراً لمؤسسة الملك عبدالله (الأمير عبدالله في ذلك الوقت) للإسكان التنموي بين عامي 2002 و 2003م، وقمنا بإجراء مسح شامل للمناطق الفقيرة والعشوائية في المملكة والتقينا بخبراء في مجال الإسكان وإسكان المناطق العشوائية وتبين أن فكرة "نقل السكان" لم تكن هي الفكرة الصائبة حسب ما أكده الخبراء، رغم أن المؤسسة مضت في مشروعاتها للإسكان التي لم تكن ناجحة بما يكفي، وأذكر أنني قدمت مشروعاً مغايراً يعتمد على تطوير هذه المناطق وتحسينها Upgrade of the spontaneous settlements وقمت بدراسة قرية في الأحساء اسمها "قرية القرن" وأجريت دراسة شاملة لتطويرها، على أن الدراسة لم يتم تنفيذها وذلك لضعف مقومات تنفيذ مثل هذه المشروعات التي تتطلب فرقاً مدربة غير متوفرة في المملكة للأسف.  

في العام 2005 و2006 طلبت مني مؤسسة الملك عبدالله إجراء دراسة ما بعد الإشغالPost Occupancy Evaluation للأحياء السكنية التي تم تنفيذها في المدينة المنورة ووجدت أن مستوى الرضا للسكان منخفض بسبب انتقالهم من أحيائهم السابقة وذلك لسبب رئيسي أن مصادر أرزاقهم كانت قريبة من الأحياء السكنية ولم يعودوا قادرين للوصول لتلك الأماكن للتكلفة الباهظة للتنقل. كما أن البنية الاجتماعية التي كانت موجودة في الحي السابق بدأت تتفكك في الحي الجديد وبالتالي البنية التكافلية التي كانوا يتقاسمون فيها الفقر ويتعاونون عليه أخذت في الانهيار مما ولد مشكلات اجتماعية وأمنية وأخلاقية في الأحياء الجديدة.  

إذاً نحن أمام معضلة عمرانية/ حضرية خطيرة جداً والحلول التي يفترض أن توضع لها يجب أن تكون مبنية على دراية وخبرة عميقة واقترح في هذا الصدد أن تتشكل فرق من العمرانيين وعلماء الاجتماع والاقتصاديين بالإضافة إلى خبراء في التشريع للتعامل مع هذه المشكلة ووضع حلول عاجلة لها. هذه الحلول ليست بالضرورة أن تؤدي إلى نقل السكان وتهجيرهم من أحيائهم القائمة بل بدراسة أوضاعهم بالتفصيل وفتح ملف مستقل لكل ساكن وفهم ظروفه الاجتماعية والاقتصادية لأنه حتى هذه الساعة لم أتقاطع مع دراسة اجتماعية واقتصادية شافية عن المناطق العشوائية في المملكة.