تجذبنا كثيراً تلك الصور التي يضعها بعض المثقفين، أو المبدعين، لمقهى ذي تفاصيل صغيرة وساكنة: أضواء خافتة، طاولة خشبية، أو زجاجية، كوب من القهوة، كتاب، خلفيات جدارية، قليل من الأثاث، أصوات هامسة؛ تلك الصور تؤثر في نفس متلقيها، حتى يكاد من يتأملها أن يعيش أجواء المكان، وتفاصيله؛ يشتم رائحة القهوة، ويرى بخارها يتصاعد، كما لو كان يمسك بالكوب، ويشعر بحرارته، ويسمع ضجيج المقاهي، فيطرب لقرقعة الأكواب، و(سيمفونية) آلات القهوة.

ويبدو أن القهوة التي تغنى بها الآباء والأجداد، وصارت رمزاً للكرم والسخاء، أخذت تتطور اليوم لتشكّل تفاصيلها أيقونة ثقافية وسياحية؛ فقد أضحت (مقاهي القهوة) في وقتنا هذا ظاهرةً منتشرة في كثير من مناطق مملكتنا الحبيبة؛ وهي في نظري أحد معزّزات السياحة ومراكز الجذب، وبخاصة أن أصحابها صاروا يتنافسون في إنشائها، وإبداع تصاميمها، وصنع أجوائها الهادئة؛ فلم يعد (المقهى) قهوة تحتسى، أو شاياً يرتشف، بل تحول نوعاً من الإبداع، وشكلاً من الفن يقدمه صاحبه (الذكي) ليس من أجل الربح الاقتصادي فقط، بل أيضاً من أجل كسب سياحي، وثقافي يضيفه إلى بيئته ومجتمعه.

وفي الوقت الذي بدأت فيه بعض (المقاهي) تتجه إلى النمو الجمالي المتزايد؛ فإن الاهتمام بخلق بيئة ثقافية بات أمراً مهماً، وهو ما ينقص أكثر (مقاهي القهوة) اليوم؛ وإن كانت هناك بعض جهود شخصية لتوفير تلك البيئة، غير أنها لم تعد ظاهرة بعد؛ فهي لا تتجاوز وجود رف من الكتب، وقلة قليلة من القراء؛ لذلك فإن الدور المنوط بالمقاهي الآن هو توسيع دائرة القراءة، وتعميق أثرها، وتهيئة مناخاتها، وتكثيف ملامحها، ومعالمها؛ لا سيما أن لدينا كثيراً من المثقفين، والمبدعين، والأدباء، ممن ستكون هذه المقاهي حاضناً لإبداعهم، وموئلاً لتميزهم، ومن ثم يسهم ذلك الأمر في جعل المقهى أكثر جذباً وإقبالاً.

إن من يطالع التاريخ الثقافي للقهوة والمقاهي يلمس تأثيرها واضحاً في أعمال كثير من الأدباء (نجيب محفوظ مثلاً)، على الرغم من البساطة التي كانت عليها المقاهي في وقت مضى، لكن أثرها في الحركة الثقافية والأدبية كان ملحوظاً في بعض الأوساط العربية؛ ومن هنا فإن إعادة الاهتمام بالمقاهي الثقافية بروح العصر الجديد، وبطعم الزمن القديم، وبتشكيل الهوية الوطنية، أمر من شأنه تطوير الحركة الأدبية والثقافية والفنية، وفيه أيضاً تضافر مع الجهود السياحية.

أخيراً، أقترح أن تقوم جهات ثقافية رسمية - كالأندية الأدبية، وجمعيات الثقافة والفنون مثلاً - بمد جسور التعاون، وعقد الاتفاقيات والشراكات (الربحية وغير الربحية) مع تلك المقاهي؛ ويكون ذلك مثلاً بتخصيص رفّ، أو زاوية، تكون للنادي الأدبي أو لجمعية الثقافة؛ لوضع إصدارات النادي، أو أعمال الجمعية في (مقهى من المقاهي)، كما يقوم النادي، أو الجمعية بتخصيص مكان لذلك المقهى لتقديم خدماته في المناسبات، والأمسيات التي ينظمها النادي أو الجمعية.