في مقالي يوم الخميس الماضي بعنوان «أسباب الفساد وسبل العلاج»، تناولت أنواع قضايا الفساد المالي والإداري التي أَعلنت عنها هيئة الرقابة ومكافحة الفساد السعودية «نزاهة» يوم الاثنين ما قبل الماضي واقترحت بعضاً من الحلول للقضاء على الفساد بالأجهزة الحكومية.

هناك قاعدة تلتزم بتطبيقها كافة المؤسسات المالية على مستوى العالم، من بينها البنوك التجارية العاملة في المملكة، يطلق عليها قاعدة «اعرف عميلك Know Your Customer - KYC»، والتي بمقتضاها يتعين على البنوك قبل بدء العلاقة مع العميل أو فتح حتى فتح الحساب الجاري، أو خلالهما وقبل تنفيذ أي عملية علاقة، ضرورة الإلمام التام والتصور الكامل عن ماهية العميل وطبيعة نشاطه وتعاملاته من خلال تقييم مدى ما قد يُشكله العميل من مخاطر على البنك ومستوى تلك المخاطر. هذه القاعدة أثبتت جدواها في مكافحة مختلف أنواع الجرائم الاقتصادية والمالية، مثل عمليات غسل (تبييض الأموال)، وعمليات التهرب الضريبي وغيرها من الجرائم الاقتصادية والمالية الأخرى.

برأيي لماذا لا يتم محاكاة هذه القاعدة وتطبيقها بالأجهزة الحكومية، ضمن مفهوم قاعدة «اعرف موظفك Know Your Employee – NYE»، بحيث يكون من بين اشتراطات التقدم والقبول بوظيفة ومسوغات التعيين، أن يفصح الموظف عن ثروته وممتلكاته الشخصية من الأصول والاستثمارات المالية وغير المالية من خلال تعبئة نموذج أو إقرار «الإفصاح عن الثروة والممتلكات الشخصية» «Personal net worth declaration statement» بحيث يتضمن تفصيلاً لتلك الثروة ولتلك الممتلكات محلياً ودولياً. ومن ضمن شروط الإفصاح كذلك، أن يتضمن الإقرار أو النموذج الإفصاح عن الممتلكات والثروات الشخصية الخاصة بالأطراف المباشرين من ذوي أصحاب العلاقة، كالأقرباء من الدرجة الأولى Next of kin، وعلى أن يتم تحديث الإقرار دورياً (سنوياً) أو بحد أقصى كل عامين أو ثلاثة أعوام، وكذلك تحديثه متى ما اقتضت الحاجة لذلك في حال حدوث تغير مفاجئ (جوهري) على الثروة الشخصية سواء بالزيادة أم بالانخفاض.

مثل هذا المتطلب برأيي يختلف تماماً عن مفهوم «من أين لك هذا»، باعتباره لا يَعدو كونه مجرد كشف حساب يَهدف إلى إبعاد أي شكوك قد تحوم حول الثروة الشخصية للموظف نتيجة لأي متغيرات قد تطرأ عليها لسبب أو لآخر، كما أنها ستوفر لأجهزة الدولة المختلفة شيئاً من الرقابة الذاتية (الاستباقية) على الممتلكات الشخصية لموظفي الدولة خلال فترة عملهم بالدولة.

وما أطالب به وأقترحه قد لا يختلف عن مفهوم شهادة أو إقرار الزكاة والضرائب التي يرفعها الشخص المكلف سواء أكان شخصاً طبيعياً أم اعتبارياً للدولة، وبالتالي لا أعتقد بأن هناك أي صعوبة قد تعترض تطبيق هذا المطلب.

ولأن ينجح ذلك المطلب الوظيفي المقترح، يتطلب تمرير نموذج الإقرار على جميع الأجهزة الحكومية ذات العلاقة للتأكد من موثوقية المعلومات ودقتها بما في ذلك سلامتها، هذا بالإضافة إلى ضرورة إقرار نظام عقوبات صارم ومغلظ على المخالفين، وبالذات على الذين يحاولون الالتفاف على المطلب والتحايل عليه من خلال إخفاء المعلومات أو تزويرها، والتي قد تصل إلى عقوبة الغرامات المالية ومصادرة الممتلكات غير المفصح عنها، بما ذلك عقوبة السجن أو بجميعها وفقاً لجسامة الجرم، الأمر الذي قد لا يختلف كثيراً عن واقع الحال بالنسبة للتهرب الضريبي.

ولعلي أقترح أيضاً توظيف التقنية الحديثة إن أمكن في تعبئة نموذج الإقرار وإرساله للجهة الحكومية المعنية صاحبة العلاقة، كمثال؛ سلسلة الكتل أو بلوك تشين Blockchain إن كان من الممكن ذلك بغرض التأكد من صحة المعلومات المتضمنة بالإقرار وسهولة تداولها بين الجهات الحكومية ذات العلاقة بما فيها الأطراف الدولية.

آخر وليس أخيراً، أتطلع أن يُعتمد في قرار التوظيف والتعيين بأجهزة الدولة على الكفاءة والقدرة الفائقة على الإنجاز بعيداً عن المحاباة والمجاملات والوساطات والمحسوبية، باعتبار أن تاريخ الموظف النظيف وإخلاصه وتفانيه في أدائه لعمله ونزاهته المالية، تُعد من بين أهم العوامل التي يفترض أن يتحلى بها الموظف وتكون هي الحكم وسيدة الملعب في التوظيف بعيداً عن أي اعتبارات أخرى، مثل الألقاب واسم العائلة وابن فلان وعلان وإلى غير ذلك من الاعتبارات.

ولعلي أختم باقتراح تحدث عنه الزميل الكاتب خالد السليمان بمقاله بالزميلة صحيفة عكاظ، بعنوان «لماذا لا نشهر بالفاسدين» باعتباره من وجهة نظره أن التشهير بالفاسد حق قانوني قبل أن يكون حقاً مجتمعياً، ومن يخشى على سمعته عليه أن يخشى على أخلاقه وأمانته أولاً!