في ظل هيمنة حزب الله، ربيب إيران، عانى لبنان «سياسياً» من خلال تعطيل المشاركة السياسية الحقيقية التي ظهرت من خلال تعدد الوزارات التي فشلت جميعها في التوافق على صيغة تحميه من تداعيات الخارج.. و«اقتصادياً» انهارت العملة اللبنانية إلى مستويات متدنية، بالتزامن مع أزمة المصارف اللبنانية، ونقص السيولة الأجنبية، وملف الفساد، ثم جاءت أزمة تفشي فايروس كورونا لتزيد من تدهور الأوضاع الاقتصادية والصحية، ما انعكس ذلك على المجتمع اللبناني فقراً وبطالةً.. حتى جاءت كارثة الانفجار الهائل الذي ضرب العاصمة في 4 أغسطس، والأضرار البشرية والمادية التي نجمت عنه.. كل ذلك ترك الباب مفتوحاً للكثير من التساؤلات حول طبيعة الانفجار والمتسبب المعروف الذي رهن لبنان ودمره خدمةً لأجندته.

المواطن اللبناني لا يثق بلجنة التحقيق لغياب مصداقية الحكومة محلياً ودولياً

احتلال بيروت

بعدما هُزمت إسرائيل في العام 2006م، انتصر نصر الله وميليشياته انتصاراً إلهياً، لأن إسرائيل قوته ولم تهزمه، هكذا اختزل نصرالله وميليشياته قصة هزيمته في العام 2006م، رغم تصريحه فيما بعد، أنّه لو علم بالنتيجة لما أقدم على شنّ الحرب.

إعلام «الممانعة» يغرق لبنان بتفاصيل وهمية لتبرئة ربيب إيران

وعندما اقتحمت ميليشيا حزب الله بمساعدة حليفه الطائفي حركة أمل في العام 2008م شوارع بيروت، بسبب عزم الحكومة على تفكيك شبكته وإضعاف سيطرته على المطار، كلفت إيران هذه الميليشيات حماية مصالح دول الممانعة بدلاً من حماية لبنان، وتمكن حينها نصرالله وحليفه من اجتياح بيروت وفرض عليها حصاراً خانقاً، وبالتدريج المنظم سيطر على أغلب المراكز الاقتصادية وفي مقدمتها مرفأ بيروت رئة لبنان الاقتصادية، ليستكمل دوره المحدد بتنفيذ الأجندات الإيرانية بعدما أشاح عن وجهه الحقيقي وحزبه كميليشيا طائفية شرعت باستلاب القرار السيادي اللبناني، فأخضع لبنان مستفيداً من حالة انهيار الأجهزة الأمنية والعسكرية أمامه.

حكومة لبنان تتستر على إجرام نصر الله وتتنكر مسؤوليته عن الحادث

واعتمد نصرالله خيار العنف المقدس تحت راية الولي الفقيه، مبتدئاً بمرجعه الشيخ محمد حسين فضل الله المرشد الروحي للحزب، فكفّره نصر الله لإنكاره ولاية الفقيه ولانتقاده خامنئي، فأمر نصر الله أتباعه بمضايقته وسبه وتشويه صورته من خلال توزيع الكتب والمنشورات التي تشهّر به في المراكز الشيعية في قم والنجف والضاحية، ولم يكن موقف المرجع الشيعي محمد مهدي شمس الدين بعيداً عن موقف سابقه، فكلاهما لم يمنحا ميليشيات نصرالله الخامنئية غطاءً دينياً.

ومع سيطرته على مؤسسات الدولة الرسمية، بما فيها القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، تحوّل حزب الله إلى عصابة حاكمة، ونواة لدويلة سياسية مؤدلجة، وتوظيفها في سياسات واستراتيجيات وأهداف إيرانية، كان من نتائجها القضاء على الحركة الوطنية اللبنانية، واغتيال شخصياتها، لترسيخ دويلة الحزب وخطف لبنان العربي إلى هوية مغايرة.

وسيطرت العصابة على مرفأ بيروت من خلال أجهزتها الأمنية، ونشرت موظفين يتبعون لها في جميع مفاصله، وامتلكت بوابةً خاصة بالمرفأ اسمها بوابة حزب الله شبيهة بالمعابر البرية مع سورية المعروفة بخطوط الحزب العسكرية، ويدخل عبر هذه البوابة ممنوعات وبضائع متنوعة، تدخل إلى لبنان بأوراق مزوّرة عبر شركات تخليص جمركي وهمية تتبع لحزب الله، فعطل وظائف الدولة وأدوارها، وفرض الوصاية على مؤسساتها، وجعل من لبنان جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الإيرانية، ثم مع كل حادثة لبنانية، يظهر نصرالله باستدعاء الروح المذهبية والتعبئة الدينية التي أنهت هيبة الدولة، وعطلت التنمية، وفرضت على لبنان حسابات خارجية.

وكانً انفجار الرابع من أغسطس والذي عاش يومه اللبنانيون كابوساً حقيقياً غير مسبوق، جاء نتيجة سنوات من الخلل السياسي، وثقافة طائفية شيطانية سنامها الإجرام والفساد والنهب على يد تحالف منيع غير قانوني تقوده إيران.

توقيت الانفجار

يتساءل المواطن اللبناني قبل غيره عن توقيت الانفجار، لماذا حصل قبل ثلاثة أيام فقط من نطق الحكم بمحكمة الحريري الدولية المستمرة منذ 15 عاماً كواحدة من أطول محاكمات التاريخ المعاصر، والتي تم فيها توجيه اتهامات مباشرة لعناصر قيادية في حزب الله اللبناني بالتواطؤ مع النظام السوري، وولي الفقيه، وذلك لخلط الأوراق من جديد على الساحة اللبنانية، وتوجيه أنظار اللبنانيين عن هذا الحكم بكارثة كبرى تشغلهم عنها؟

وهذا الاعتقاد يكاد يربط بين أمرين: الأول، أن حزب الله ينقل رسالة مهمة لمناوئيه قبل صدور الحكم، ويريد أن يفرض تشويشاً مباشراً على ما سيجري، والثاني، أن حزب الله قام سابقاً بعمليات مشابهة في عام 2008م.

فميناء بيروت مركز الحركة الاقتصادية للبنان، ونافذته الرئيسة على الخارج، وما يحيط به من مناطق سكنية وأنشطة خدمية وتجارية وبنوك، يجعلنا نتساءل عن كيفية التغاضي عن مخزون كيميائي في هذه المنطقة الحيوية، هل هذا الإهمال متعمداً؟ وهل كان ذلك بعيداً عن أعين مؤسسات الدولة التي ذكرنا أنها تحت سيطرة حزب الله نفسه؟ وقد رأينا نتائجه الكارثية والمدمرة، والذي أدى الى تدمير أكثر من ربع مليون وحدة سكنية، وتشريد الآلاف من سكان بيروت، فضلاً عن نسفه احتياطي لبنان من القمح والدواء والمواد الغذائية التي كانت مخزنة في المرفأ.

إذن، حتى لو كان الانفجار نتيجة قصف جوي أو بحري إسرائيلي، فحزب الله هو من يتحمّل تبعية ذلك، لتخزينه هذه المواد الخطرة منذ سنوات غير عابئ بأرواح الأبرياء، والأكيد أن هذا الحادث فضح جانباً خفياً من أنشطة الحزب داخل الميناء، وهي واحدة من الحقائق المخفية لسنوات طويلة لعش دبابير حزب الله.

وعلى رغم إنكار حزب الله صلته بالانفجار، إلا أن كل الشواهد كانت تشير إلى أن هناك علاقة مباشرة ومؤكدة تربط الحزب بهذا المخزون، من خلال تعجّل قيادات أمنية لحزب الله بعد الانفجار مباشرة بتصريحات حول الحادث بأنه تمّ في سياق محدد، ومن خلال متفجرات مخزنة في داخل الميناء منذ سنوات، ولا يوجد عمل إرهابي.. وكأن قيادات الحزب تسعى لأبعاد المسؤولية المباشرة في هذا الانفجار عنه، كما أكدت عدم ضلوع إسرائيل في الحادث، لإيجاد منفذ هروب للحزب من المطالبة بالرد، وإثارة سؤال حول أماكن تخزين سلاحه.

كل ما سبق يوضح قاسماً مشتركاً واحداً هو وجود حزب الله وارتباطه الوثيق والمباشر بتخزين المواد المتفجرة في ميناء بيروت الخاضع لسيطرته، حتى لو كان سبب الحادث ضربة إسرائيلية، أو نتيجة إهمال الحكومات اللبنانية كما أكدت قيادات الحزب، على رغم تأكيد رئيس الوزراء الأسبق تمام سلام الذي ترأّس الحكومة زمن الفراغ الرئاسي، بأنه لم يكن يعلم أصلاً بوجودها.

زعران الضاحية

خرج نصر الله على اللبنانيين المنكوبين بانفجار بيروت الذي حوّل جزءاً واسعاً من العاصمة اللبنانية إلى ركام، رافضاً كل الاتهامات التي وجّهت له، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة من جهات محلية ودولية عديدة، نظراً لوقائع سابقة مثبتة حول تورّطه في تخزين مادة نترات الأمونيوم، وجدت بحسب تقارير دولية مع عناصر تابعة له في عواصم غربية، ويحاكمون اليوم بسببها بتهمة الإرهاب.. بخطاب دفاعي في أول تعليق له على الكارثة، قائلاً: «لا ندير المرفأ، ولا نتدخل فيه، ولا نعرف ما هو موجود بداخله، التحقيقات جارية، والحقائق ستظهر سريعاً لأن الموضوع ليس معقداً، وعندما تظهر الحقائق أطلب من الشعب اللبناني محاكمة المحطات التي ضللت هذه الحقائق».

فجاء خطابه محملاً بالتهديد والوعيد: «أقول لكل الذين فتحوا معركة معنا، ومع محور المقاومة انطلاقاً من هذه الحادثة، لن تحصلوا على أي نتيجة، هذه المقاومة أعظم من أن ينالها بعض الظالمين، والكذابين، والساعين للحرب الأهلية، وطالما سعوا لذلك وفشلوا وسيفشلون».

والكل يعلم مدى حرية حركة حزب الله داخل مرفأ بيروت، وقدرته على إدخال وإخراج البضائع دون المرور بالجمارك اللبنانية، وبالتالي هو يتصرّف هناك بحرية تامة ومن دون مراقبة رسمية، ولهذا كلام نصرالله عن أن لا نفوذ لحزبه في المرفأ غير واقعي ومضلل، فهو يريد المرفأ تحديداً من أجل تسهيل عملية إدخال السلاح وتخزينه، وإخراج مخدراته التي باتت جزءاً أساسياً من اقتصاده الخاص وبنيته العسكرية.

فحزب الله وجهازه الأمني المسيطر على الميناء، وعلى لبنان بشكل عام، والذي يحق له التدخل وإقامة مناطق أمنية، ولا تغيب عنه شاردة أو واردة أصبح فجأة أعمى أبكماً أصمَّ، لا يعلم بموضوع تخزين المواد المتفجرة في المرفأ، ولا يعرف أطراف صفقة الأمونيوم، ومن أوعز للقضاء بإفراغ الحمولة الخطرة في المرفأ، فإن هذا لن يقنع أحداً حتى أتباعه، كما لن يقتنع أحد أن نصر الله بريء من كارثة بيروت.

إنه حكم حزب الله الذي دمَّر اللبنانيين وقتلهم، وتسلطه باقٍ وسيفجر كل لبنان كما فجّر بيروت، طالما أن زعماء الطوائف المتحالفين مع غلام الولي الفقيه باتوا في خطّ واحد، مستخفين بمصلحة لبنان وسلامة أمنه وحقوق شعبه.

ولذلك سيدخل نصر الله، من خلال خطابه الكاذب، لبنان مرحلة صراع قد تتعدى السياسي في ظل رؤى تشير في قادم الأيام إلى مواجهة شعبية لبنانية مفتوحة مع الحزب الذي فجر لبنان والمنطقة.

الإعلام الممانع

بدأ الإعلام الممول إيرانياً حملة تأخذ الجميع إلى منطقة ظلام إعلامي، محاولاً إغراق الجميع بتفاصيل خارج جوهر التفجير في ظل أجواء سائدة في لبنان والمنطقة شبيهة بتلك التي سبقت اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الراحل رفيق الحريري.

لذلك ما أن دوّى انفجار نيترات الأمونيوم المزلزل الذي دمَّر ميناء بيروت وصدَّع جميع المباني، مخلفاً مئات القتلى وآلاف الجرحى، حتى بدأت وسائل إعلام الممانعة تتسابق في تقاذف رمي المسؤولية على الحكومات السابقة، دون التطرّق إلى السبب الرئيس للفاجعة التي حصلت وهو حزب الله!، لتبدأ بعدها الاتهامات أن رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي هو المسؤول، لأن في عهد حكومته دخلت شحنة الأمونيوم، وكذلك قذف المسؤولية باتجاه وزير النقل آنذاك غازي العريضي، ومدير عام الجمارك آنذاك شفيق مرعي.

فهذه اللعبة التي يمارسها إعلام الممانعة بتذاكٍ سخيف، قامت بذكر كل الأسماء، وتذرعت بكل الأعذار، لكنها لم تذكر الجهة المجرمة التي أبرمت صفقة الفساد، وأدخلت السفينة المحملة بالكيميائيات إلى الميناء، على رغم من أنها كانت رحلتها من البحر الأسود إلى موزمبيق في إفريقيا، ليجري بأمر ما غير مفهوم منعها من متابعة رحلتها بسبب عيب غير مفهوم أيضا بالسفينة، مع أنها لم تكن معطلة، ليجري بعد أشهر الإيعاز للقضاء بترحيل البحارة بسبب خلافات مالية مفتعلة، ثم يأمر القضاء اللبناني بإنزال الشحنة إلى أرض الميناء، وتخزينها في العنبر رقم 12 منذ عام 2014م، وهكذا وبكل بساطة يجري الاستيلاء على شحنة الأمونيوم من قبل طرف ثالث لبناني ليس له علاقة لا بالجهة البائعة ولا الجهة التي اشترت الحمولة!!!.

فطالما أن زعماء الطوائف المتحالفين مع المقاومة باتوا في خطّ واحد فما صفقة الفساد التي انعقدت حينها في لبنان قبل 7 سنوات؟ خصوصاً أن من كان يسيطر على القضاء اللبناني في عهد حكومة ميقاتي (كانت حينها حكومة لون واحد) معسكر 8 آذار (حلف الممانعة)، بغياب جميع مكونات 14 آذار عنها.

فخروج لبنان من النفق المظلم، جراء السيطرة المطلقة لهذا الحزب المارق وأعلامه الكاذب، أصبح أقرب إلى الخيال، على الأقل في الوقت الراهن، إذا لم يكن هناك تدخل غربي عربي جاد لتحرير لبنان من براثنه.

قضاء مسيَّس

يتمنى المواطن اللبناني أن يكون متسبب الانفجار طرفاً خارجياً، سيكون الأمر أسهل له من أن تأتيه الضربة من داخل البيت.

ولكن الأصعب إطلاقًا على اللبناني أن يكون ابن الداخل غير البار هو المتسبب، ويرى قاتله أمام عينيه يقود حكومته، ويسن قوانينه، ثم يتولى مسؤولية الدفاع عنه!.

هذا القاتل النرجسي - الذي ارتبط تنظيمياً بالحرس الثوري الإيراني، وسياسياً بولاية الولي الفقيه ببيعة شرعية تُلزمه القتال إلى جانبه حتى لو تعلق الأمر بمواجهة عسكرية مع بلده الأم لبنان، وتدميره - أثبت قدرته على مواجهة اللبنانيين الوطنيين المناهضين لمشروعه، واستمراره في تنفيذ سياسات أسياده التدميرية على المدى البعيد، وبات في حكم المؤكد كياناً موازياً لمؤسسات الدولة العسكرية، بل مسيطراً على قرارها الوطني لضمان نفوذ صفوي أوسع على حساب لبنان وأهله.

لم تستطع الحكومة اللبنانية توجيه اتهامات رسمية لحزب الله لحساسية الموقف، والتوقيت، ولعدة اعتبارات سياسية وأمنية، لكن كل الشبهات تحوم حول مسؤولية الحزب الذي خبر عناصره جيداً استخدامات مادة نترات الأمونيوم في أكثر من بلد حول العالم.

وعندما يرفض الرئيس اللبناني أي تحقيق دولي في الحادثة، يخبرنا هذا عن عقلية حكومة حزب الله القائمة على التعتيم والتستر على الحقيقة وإنكار المسؤولية.

وعلى الرغم من أن الحكومة شكلت لجنة تحقيق محلية في الحادث إلا أن ثمة تشكيكاً في قدرة اللجنة على إنجاز ما وعدت به، وذلك لأسباب عدة:

أولاً: غياب مصداقية الحكومة ولجانها محلياً ودولياً تجاه أي وعد قطعته لمعالجة ملفات شائكة سابقة.

ثالثاً: محاولة تبني فرضية واحدة للتفجير وهي الإهمال الذي يمكن أن يكون مسؤولاً عنه شخص ما، وتغييب الفرضية الحقيقية للكارثة المتمثلة بحزب الله.

ثانياً: تسبب الحكومة بزيادة القطيعة بين لبنان والدول العربية والاوروبية.

ما يعني هذا أن اللبنانيين بانتظار فشل ذريع للجنة المشكلة التي ستحاول لفلفة الكارثة على الطريقة اللبنانية.

كما يعترف الكثير من المسؤولين اللبنانيين أن لا ضمانات للوصول إلى العدالة المنشودة في هذا الملف، لكنهم يؤكدون على أن ما حصل أكبر بكثير من أن تتمكن الحكومة تمريره على اللبنانيين ودليل هذا انعدام الثقة الكبير.

لذلك قد يتم تقاذف المسؤوليات وتسويف الحقائق، لكن سيبقى الرهان الأكيد على ردة فعل الشارع اللبناني الذي لا يثق بالسلطة التنفيذية والتشريعية باعتبارهما جزءاً من محور إقليمي وفساد داخلي.

استقالة الحكومة

حرّك انفجار الميناء ضمير العالم وهرع كله لمساعدة لبنان، غير أنه لم يحرّك ضمير رموز السلطة في لبنان، إلا بعد أن نزل الشعب بعشرات الآلاف إلى الشوارع ليشعل الثورة من جديد، رغم المخاطر الصحية، مطالباً بمعاقبة الفاسدين بدايةً قبل أن تتطور الهتافات منددة بإرهاب حزب الله الذي تسبب بهذه الكارثة الرهيبة.

وهذه الحكومة التي سرعان ما بدأت تضعف داخلياً وخارجياً، وذلك مع غياب الدعم الدولي والعربي، ورفع الغطاء السني عنها، واقعة تحت سيطرة تامة لحزب الله، ومنفذة لمشروعه الهدام، ومهمتها الأساسية الدفاع عنه بوجه المطالب العربية والغربية التي تحاصره مالياً وسياسياً، والدفاع عنه داخلياً بوجه مطالب ثورة 17 تشرين التي تطالب حلفاءه بالإصلاح، وكف يد الطبقة السياسية عن المحاصصة والفساد.

فأودى فساد حزب الله الذي دمَّر بيروت، بحكومة حسان دياب التي كان يعلّق عليها الحزب آماله أن تصمد بلونها الواحد الموالي له حتى نهاية العام الحالي، بانتظار نتائج الانتخابات الأميركية، وما سيؤول إليه النزاع الأميركي الإيراني.

لهذا الشارع اللبناني لم يسقط حكومة حسان دياب، وهذه الاستقالة لا تلبي مطلب الشارع، وبالتالي الشارع لن يهدأ لأنه يصوّب على منظومة السلطة، والجميع يعلم أن حكومة دياب ليست إلّا أداة لحزب الله وقناعاً له،

وراهناً يجري العمل على إعادة إنتاج حكومة جديدة على النسق الذي كانت عليه قبل حكومة دياب، فمنظومة السلطة الفعلية (حزب الله، والتيار الوطني الحر، ونبيه بري) هي الممسكة بالقرار الداخلي.

وهذه القوى السلطوية باتت عاجزة عن تقديم أي حلول، وأي قدرة على الاجتذاب الخارجي والشعبي، نظراً لعدم قدرتها على القيام بأية إصلاحات، لأن أي عملية إصلاحية جدية سوف تسقط هذه المنظومة.

إذن، لبنان أمام مأزق حقيقي، فلا قدرة على تلبية الحد الأدنى من مطالب الشعب، ولا قدرة على الحفاظ على الحد الأدنى من شروط المجتمع الدولي، وبالتالي هذه المنظومة وصلت الى عجزها ومأزقها والناس ستخرج لمواجهتها.

وما قاله الرئيس اللبناني الأسبق شارل حلو حين استقبل وفداً من الصحافيين اللبنانيين عام 1992م: «أهلاً بكم في وطنكم الثاني لبنان»، ينطبق فعلاً على حكومة حزب الله، والساسة الذين يلتفون حول هذا المحور.

تسوية ماكرون

أطلقت استقالة الحكومة اللبنانية صفارة انطلاق العمل على ترجمة رؤية الرئيس الفرنسي لتشكيل حكومة وحدة وطنية، كمدخل للخروج من الأزمة السياسية والاقتصادية والمالية المخيمة البلاد.

حدد ماكرون الإطار الزمني لهذه التسوية وهو الأول من سبتمبر لتكون الأرضية السياسية اللبنانية صالحة لإيجاد حكومة شريكة للمجتمع الدولي فيها، بالرغم من أن الرؤية الفرنسية لشكل الحكومة المقبلة ترك التباساً عن المقصد من عبارة حكومة وحدة وطنية، وعما إذا كانت ستقتصر على القوى السياسية وقوة فاعلة كحزب الله أم تعني مشاركة المجتمع المدني وثوار 17 (تشرين) كما يطلق في لبنان.

ويعتبر رئيس الجمهورية ومعه التيار الوطني الحر الذي يعد نفسه أنه خسر مع حليفه حزب الله جولة الرهان على نجاعة حكومة حسان دياب أنه لم يخسر حربه للبقاء شريكاً أساسياً في التسوية المقبلة، لذلك نرى أن هذه الشراكة مع الحكومة المستقيلة لا يمكن التعويل عليها دولياً بدرجة كبيرة، لأن المجتمع الدولي والعربي لم يغفر لعون توفيره الغطاء المسيحي لحزب الله، وبالتالي لماذا على هذه الدول تقديم التزامات لبديل تتضاءل فعاليته السياسية داخلياً وخارجياً في وجود بديل قد يضمن متانة التسوية بشكل أفضل، خصوصاً أن الرئيس الفرنسي أشار في كلامه عن التغيير، إلى أن العالم لن يتعامل مجدداً مع النظام القائم.

كما نجد أن ماكرون ليس وحده من يعمل على زرع بذور التسوية، بل دخل إليها الأميركيون من خلال زيارة نائب وزيرالخارجية للشؤون السياسية إلى لبنان، وحتماً عندما يدخل الأميركيون لحل ملف فإن لديهم أجندة لا يمكن التكهن بها، وبالتأكيد ترسيم الحدود البحرية ما بين لبنان وإسرائيل جزء منها.

فالإدارة الأميركية ترى لبنان من زاوية حزب الله فحسب، لأن الدولة تحولت رهينة بالكامل لرغباته، لكن ليس من الممكن - أميركياً - ترك لبنان في قبضة الحزب الموالي لإيران الذي ساهم في تحويله إلى دولة فاشلة، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة والعالم، مع إمكانية تدفق لاجئين إلى أوروبا، وازدياد في نشاطات المجموعات الإرهابية.

كما ستعمل الإدارة الأميركية على إيجاد حلول يمكن البناء عليها لتقديمها للبنانيين من دون المساهمة في تغذية الفاسدين، أو السماح بأي تراخٍ في الضغط على حزب الله.. إضافة إلى إثارة مسألة سلاح حزب الله دولياً، وإدانة كل من يضفي صفة الشرعية عليها، وضرورة تسليمه للدولة اللبنانية، وحصر قرار الحرب والسلم والتسليح بيد الجيش اللبناني وحده.

ختاماً، يفخر النظام الإيراني الذي أعلن في مناسبات عديدة أنه يسيطر على أربع عواصم عربية عبر ميليشياته ووكلائه، ما يجعلنا أمام حقيقة واقعة، مفادها أن أي وجود للنظام الإيراني أو ممثليه على أي أرض عربية لا يعني سوى الدمار والأذى لهذه البلدان وأهلها.

لذلك لا يستطيع أن ينكر أي لبناني على مختلف توجهاتهم أن حزب الله هو أداة إيرانية في لبنان، وأصبح المتحكم بشؤونه ومفاصله من تنصيب الرئيس المسيحي، إلى رئيس الوزراء السني، إلى رئاسة البرلمان المخصصة تقليدياً للشيعة الذين يهيمن عليهم الحزب، حتى وصلت الأوضاع في لبنان إلى أزمة حقيقية خانقة لم يشهد لها مثيلاً.

كما لا يمكن للبناني أن يتوهم أن إيران بعيدة عن المآسي التي لحقت ببلده، فهي من دمرته ومزقته، وأبعدته عن محيطه وأهله، وأضافت إلى مآسيه حملاً لا يطاق، ونشرت الفوضى في كل مكان فيه، فعم الفقر والجوع والمرض في هذا البلد العربي الذي كان يسمى يوماً بـ (سويسرا الشرق).

وقائع سابقة تؤكد علاقة حزب الله بنترات الأمونيوم

  • في يناير 2012م، ضبطت السلطات التايلندية 290 لتراً من نترات الأمونيوم، واعتقلت أشخاص منخرطين بالأمر على ارتباط بحزب الله.

وفي مارس 1994م، تعاملت السلطات التايلندية مع هجوم فاشل لحزب الله، باستخدام شاحنة مفخخة تحمل مواد تضمنت طناً من نترات الأمونيوم والديزل.

  • في شهر مايو 2015م، ضبطت الأجهزة الأمنية في قبرص 420 صندوقاً من نترات الأمونيوم تعود لعناصر من حزب الله.

  • في أغسطس 2015م، ضبطت السلطات الكويتية ثلاثة أشخاص على ارتباط بحزب الله، قاموا بتخزين 42 ألف رطل من نترات الأمونيوم، وأكثر من 300 رطل من المتفجرات، و68 قطعة سلاح، و204 قنابل نووية، كبنية تحتية لهجوم باستخدامها.

  • في خريف 2015م، داهمت قوات الأمن البريطانية أربعة مواقع مرتبطة بحزب الله، وقامت باعتقال شخص، بعد الكشف عن عناصر تابعين للحزب يقومون بتخزين ثلاثة أطنان من نترات الأمونيوم بأكياس ثلج في مصنع سري للقنابل في ضواحي العاصمة لندن.

  • في مايو 2020م، احتفاظ عناصر مرتبطين مع حزب الله بمئات الكيلوغرامات من نترات الأمونيوم في مخزن في جنوبي ألمانيا، ما أدى لمداهمة قوات الأمن الألمانية للعناصر وضبطها.