لقد كانت قطر تتمتع بأمن واطمئنان ورزق وفير، قبل أن يستولي الشيطان على عقل حمد بن خليفة، الذي تنازعته صفتان متناقضتان، هما جنون العظمة والشعور بضآلة الحجم، قياسًا بالدول الكبرى في محيطها الخليجي والعربي..

تعدّ قطر من الدول المرتفعة الدخل التي يدعمها ثالث أكبر احتياطيات العالم من الغاز الطبيعي. وتصنفها الأمم المتحدة بأنها ذات تنمية بشرية عالية، وأنها الدولة ذات أعلى دخل للفرد في العالم نظراً لقلة عدد المواطنين قياسًا بثروتها الهائلة (فحوالي 1.7 مليون شخص من المقيمين فيها، ليسوا مواطنين وإنما وافدون وعمالة مستأجرة) إذن فدولة قطر تتمتع بكثير من مقومات الدول المتقدمة والمستقرة وكانت مؤهلة لما هو أكثر من ذلك.

تقوم سياسة قطر على نزوات – حسب سايمون هندرسون مدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة - وكانت هذه النزوات نتيجة حتمية للتغير الكبير الذي عاشته قطر في 1995 منذ أن انقلب حمد العاق على والده، ومن أبرز ذلك التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وخصوصًا بلادنا، سرًا وعلانية، بهدف شق الصف الداخلي، والتحريض على الخروج على الدولة، والمساس بسيادتها، واحتضان جماعات إرهابية وطائفية متعددة، علاوة على تمويل وتبني وإيواء المتطرفين الذين يستهدفون وحدة الوطن، ومنهم أفراد من المواطنين الهاربين من بلادنا الذين تغدق عليهم الأموال بلا حدود، وتروج أفكارهم ومخططاتهم عبر قناة الجزيرة ووسائل الإعلام الجديد؛ لتأجيج الفتنة وضرب الاستقرار وزعزعة الأمن الداخلي، ناهيكم عن دعم ميليشيات الحوثي الإرهابية وتحريضها على الاستمرار في عدائها لبلادنا. كذلك طال عدوانها عددًا آخر من الدول العربية، فقد نال الجميع ما نالهم من شرورها. وعلى مدى هذه السنوات، انعقدت قمم ولقاءات رسمية بين قطر وجيرانها على أمل ثنيها عن تدخلاتها خصوصاً في سنوات ما سمي بالربيع العربي وما تلاه؛ ذلك الذي قدمت فيه قطر دعمًا مباشرًا ومنابرَ إعلامية للجماعات المتطرفة، وطلبت هذه الدول من قطر ضمن سلسلة مطالب لإعادة تطبيع العلاقات، وقف دعم الجماعات الإرهابية وتمويلها، كالقاعدة وداعش والإخوان المسلمين والحرس الثوري الإيراني وحزب اللاه اللبناني، كذلك تحجيم علاقاتها بإيران وتركيا اللتين تدعمان بدروهما وتمولان جماعات متطرفة، ووقف الخطاب التحريضي لقناة الجزيرة. وعلى الرغم من كل محاولات إعادتها إلى جادة الصواب، إلا أنها أمعنت في عدائها الذي تجاوز الصبر عليه، فكانت مقاطعتها آخر العلاج.

الحال الذي أصبحت عليه قطر بعد ما يزيد على العقدين - من تآمر وعبث وهدر الأموال على الشر والعدوان، وما تعانيه الآن من عزلة عن محيطها، وعدم استقرار وتعطل مشاريع التمنية – وإن ادّعت العكس مكابرةً - وسيطرة الأجانب عليها وإمساكهم بزمام الأمور فيها، بدءاً بجيش من المرتزقة الذين يتزعمهم الصهيوني عزمي بشارة مستشار تميم، وليس انتهاء بإيران وتركيا اللتين لا تكفان عن ابتزازها واستزاف ثرواتها بحجة حمايتها من دول الجوار – كل هذا يجعل ذاكرة المتأمل تستدعي قول لله تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).

يذكر المفسرون أنّ قوله تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا) بأنه وصف للقرية بثلاثة أوصاف متعاقبة وهي: الأمن والاطمئنان والرزق، فالأوسط منها وهو الاطمئنان ربطَ بين الطرفين؛ الأمن والرزق، فإن القرية إذا أمنت المخاطرات كمهاجمة الأشرار وشنّ الغارات وقتل النفوس وسبي الذراري ونهب الأموال، وكذا أمنت الحوادث الطبيعية كالزلازل وغيرها، اطمأنت وسكنت، ومن كمال اطمئنانها أن يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، ولا يلجأ أهلها إلى الاغتراب وقطع الفيافي وركوب البحار وتحمّل المشاق البالغة في طلب الرزق وجلبه إليها.

فاتصاف القرية بصفاتها الثلاث المذكورة: الأمن والاطمئنان وإتيان رزقها إليها من كل مكان يُتِّم ويُكْمل لها جميع النعم المادية الصورية.

وقوله: (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ) التعبير بأنعم الله إشارة إلى الأصناف المذكورة وهي ثلاثة: الأمن والاطمئنان وإتيان الرزق.

ثم إضافة اللباس إلى الجوع والخوف، دلالة على الشمول كما يشمل اللباس البدن، ويحيط به، أي أنّ هذا المقدار من الجوع والخوف الذي أذاقهم إياه شملهم كما يشمل اللباس بدن الإنسان.

ثم ختم الآية بقوله: (بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) للدلالة على أن الجزاء نتيجة سوء العمل وعدم تقدير العواقب.

لقد كانت قطر تتمتع بأمن واطمئنان ورزق وفير، قبل أن يستولي الشيطان على عقل حمد بن خليفة، الذي تنازعته صفتان متناقضتان، هما جنون العظمة والشعور بضآلة الحجم، قياسًا بالدول الكبرى في محيطها الخليجي والعربي، سيقول قائل إن ما جاء في الآية لا ينطبق على قطر فما زالت تتمتع بثراء فاحش يحول بينها والعجز المادي، كما أن أموالها ساعدتها على الاستعانة بحماية تركية، وهذا ما يوفر لها الأمن والاطمئنان، وهذا غير صحيح فالتاريخ يحدثنا أنه لا يمكن لدولةٍ ما أن تشعر بالأمان وهي تستعين بالأجنبي على حمايتها؛ وقد أشار محللون عسكريون إلى أن قطر التي طالما تحدثت عن السيادة، تحولت من دولة إلى قاعدة عسكرية للأتراك، وأن استقبال وزير الدفاع القطري لأردوغان في زيارته الأخيرة للدوحة وليس اليشخ تميم، يشير إلى أن قطر باتت قاعدة عسكرية تركية.

وأمّا الرزق فإن إغلاق المعابر الجوية والبرية كان له انعكاسات على سلسلة الإمدادات الغذائية، فعلى الرغم من أن قطر دولة غنية قليلة السكان، لكنها تعتمد على نحو كبير على المواد الغذائية المستوردة، وقد أظهرت بيانات البنك الدولي أنها استوردت قرابة مليار دولار من المواد الغذائية في عام 2015، ونصف تلك الأطعمة تقريبًا كانت من السعودية والإمارات، وتشير البيانات الرسمية إلى أن قطر كانت تستورد 40 بالمئة من حاجاتها الغذائية عبر المنفذ البري مع السعودية قبل إغلاقه، كما تستورد جانبًا آخر من وارداتها الغذائية من الإمارات ومصر والبحرين، أي من الدول الشقيقة التي اضطرت اضطرارًا إلى مقاطعتها بسبب عدوانها عليهم.

وأكد محللون أن الدوحة ستحتاج فترة طويلة لإيجاد ترتيبات لوجستية بديلة، إضافة إلى التكلفة الباهظة للاعتماد على البحر والجو، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة تكلفة البضائع المستوردة.