الرواية الشعبية للتراث المحلي - أقصد بذلك رواية التراث القصصي والشعري الشعبي - وسرد الحكايات قديم جداً، فكما أن رواية الشعر العربي القديم الفصيح قديمة قدم الشعر العربي الذي لم يصل إلينا إلاّ عن طريق الرواة ثم بعد ذلك بدأ التدوين في القرن الثاني الهجري وما بعده، فهذا القرن هو بدايات حركة تدوين العلوم؛ ومنها الشعر العربي وما يتعلق به، فكانت العرب تعتمد على الحفظ والاستظهار والسرد، وبالمقابل الشعر الشعبي أو النبطي لم يصل إلينا إلاّ عن طريق فتوات الرواية الشعبية، وكل الذين كتبوا الشعر الشعبي في مخطوطات اعتمدوا على الرواة، مع أن حركة التدوين للشعر الشعبي ليست مبكرة، ومن مشاهير الرواة في وقتنا الراوية الشعبي والقصصي الحاذق والمتقن والضابط رضيمان بن حسين الشمري - رحمه الله - الذي توفي العام 1433هـ، وكانت لي به صلة وتواصل ومجالسة قبل وفاته بعشر سنوات في منزله، وفي هذا التقرير لعلنا نعيد ذكراه ونستعيد مشوار هذه الشخصية في رحلة الرواية الشعبية الذي امتد أكثر من خمسين سنة.

وُلد رضيمان الشمري في بدايات الخمسينات من القرن الماضي الهجري في «فيد»، ونشأ مع عشيرته وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ولأن البيئة لها تأثير في النشأة والتكوين فإنه منذ الصغر يرى ويشاهد ويسمع مجالس الشعر والتراث القصصي المحلي من رواة وشعراء في بلدته والمجتمع الحائلي وقراه يولون الاهتمام بهذه المجالس، فهي يومية وتسمى «الشبة»، ومازالت عند أهالي حائل وشمالي المملكة، فكان هذا التأثير الروائي الشعبي عليه كبيراً، إذ جعله يتتبع الرواة في بلده وخارجه، ووهبه الله ذاكرة فولاذية ومستودعاً لكل معلومة تراثية شعبية.

و»فيد» تظل راسخة في أعماق التاريخ القديم، فقد خلدها العلامة ياقوت الحموي - رحمه الله - في موسوعته (معجم البلدان)، قائلاً: «وفيد بليدة في نصف طريق مكة من الكوفة، عامرة إلى الآن، يودع الحاج أزودهم وما يثقل من أمتعتهم إلى أهلها، فإذا رجعوا أخذوا أزودهم وما يثقل من أمتعتهم.. إلخ».رمز كبير

استطاع رضيمان الشمري - رحمه الله - أن يكون أحد رموز الرواية الشعبية ومن أساطين هؤلاء الرواة، مع أنه - رحمه الله - في الثلاثين عاماً الأخيرة من عمره لم يلاحق الأضواء الإعلامية المرئية والمكتوبة، ويمتنع عن اللقاءات الصحفية وغيرها من وسائل الإعلام، وكنت قد حاولت أن أجري معه لقاءً صحفياً فكان يردني رداً لبقاً وجميلاً؛ لأنه - رحمه الله - كان راقياً في تعامله، لكنني كنت مصراً على اللقاء وملحاً عليه، وبعد عدة محاولات وافق فكان أول لقاء صحفي أعتقد بعد لقاء الشيخ أبو عقيل الظاهري له في صحيفة الجزيرة أوائل العام 1395هـ، وكان أبو عقيل صديقاً لراويتنا رضيمان، ولعل الكثير من الناس لا يعرف شخصية رضيمان - الذين ليس لهم اهتمام بالأدب الشعبي - بسبب أنه لا يحبذ اللقاءات ليس كرهاً لها، بل الذي أعرفه من شخصيته أنه كان إعلامياً معداً ومقدماً لبرنامج البادية في إذاعة الرياض حينما افتتحت، فهو من قدماء الإعلاميين وله تجربة رائدة في البرامج الشعبية في الزمن الجميل.

وكان قد أتحف المستمعين بمخزنه الشعري الشعبي منوعاً ومختاراً ما يناسب البرنامج من قصائد غزلية ورثائية وحكم ونصائح ومدح، ويستضيف شعراء ورواة، ويحدثني أنه أول من بدأ وأسس برنامج البادية في إذاعة الرياض ثم خلفه بعد ذلك الراوية الشهير منديل الفهيد ثم إبراهيم اليوسف، ولم يستمر في البرنامج سوى ثلاثة أشهر.

موسوعة أدب

ولا أبالغ في تشخيص حصيلة رضيمان الشمري - رحمه الله - الذي عرفته وخبرته عن قرب ومجالسة ليست قليلة باتصالي به عبر جواله أسأله وأستفسر عن بعض القصائد والأبيات الشاردة والشخصيات، فكنت أجد في الغالب الأعم الأجوبة والاستطراد الممتع بلهجته الحائلية الجذابة التي لم تتغير ولم تتبدل رغم استقراره بمدينة الرياض عدة عقود وسفره وتنقلاته داخل المملكة واختلاطه الاجتماعي، ويؤكد موضوعنا هذا عن موسوعية رضيمان الشمري في الأدب الشعبي ما ذكرته وأنقله هنا بعض من سألتهم عن راويتنا الكبير، فهذا الأستاذ الأديب عبدالرحمن السويداء صاحب المؤلفات المعروفة، يقول عن الحاذق رضيمان: «قد عرفته منذ أكثر من نصف قرن وتبادلنا الزيارات والجلسات الجميلة التي أساسها الاستمتاع بالشعر الشعبي، وكان راوية للأشعار القديمة يروي قصة القصيدة ثم يأتي بها - أرى القصيدة - فنمضي أسعد الأوقات، وكان كثير الاعتزاز بنفسه والقصائد التي يرويها على أنها هي الأصح من غير غرور ويورد ما يؤيده من الأدلة والبراهين»، ويضيف السويداء أن رضيمان ليس مقتصراً على الشعر فقط بل هو راوية للتاريخ الإقليمي ولديه روايات تاريخية شفهية قد أخذها عمن عاصرها أو برواية الرواة الذين أخذ عنهم، ويصف الأديب عبدالرحمن السويدأ رضيمان بأنه نديم الأمراء والشعراء والوجهاء، يستأنسون بوجوده بينهم، وكان زهرة المجالس بمروياته الشعرية.

جاذبية غريبة

ولاشك أن رضيمان الشمري - رحمه الله - كان يأخذ بزمام المجلس الذي هو فيه، ويجبر الجالسين بالإصغاء إليه، ولديه جاذبية غريبة في الطرح والإلقاء وصوت ليس خافتاً ولا مزعجاً بل بين بين، ولا يبخل على سائليه بالإجابات، ومن الذين وصفوا رضيمان بأنه راوية قوي ومتمكن المؤلف والباحث المعروف فايز بن موسى الحربي يقول: «تعرفت عليه في السنوات الأخيرة والتقيت به بضع مرات فعرفته عن قرب وعمق فوجدته أسطورة في الحفظ مع ما يتحلى به من روح الدعابة والفكاهة ما جعله محبباً ومقرباً لدى وجوه المجتمع»، ويتحدث فايز الحربي عن رحيل الراوية رضيمان وأن موته خسارة الأدب الشعبي للراوية رضيمان، واصفاً هذا الفقد: أننا فقدنا بموته واحداً من آخر عمالقة رواة الأدب الشعبي والتاريخ المحلي.

كنز شعبي

ورضيمان الشمري - رحمه الله - من كنوز التراث الشعبي، وقد أعطى الرواية الشعبية عطاءً سخياً طيلة خمسة عقود، فإذا سنحت فرصة في أي مجلس يدعى إليه وكانت الجلسة مناسبة لبذل ما عنده من مكنون تكلم وتحدث وإلاّ سكت حفاظاً على قيمة ما يكنه من موروث، فليس كل مجلس يحكى فيه كل شيء.

ومن جانب آخر، فقد حدثني الباحث الأديب عبدالله بن مشعل آل رشيد في زيارتي له في منزله عن علاقته برضيمان قائلاً: إنه يتميز برسوخ معرفته وعمق خبرته بالتراث الشعبي، وحافظته القوية وذاكرته المدهشة التي تختزن فيها كنوز من الرواية الشعبية وغيرها من تراث الحاضرة والبادية حتى إنه يحفظ قصائد لشعراء شعبيين من العراق وسورية والأردن، وبهذا امتاز عن بقية الرواة الذين عرفتهم لأنه ليس متخصصاً في شعر منطقة أو قبيلة بل هو - إن صح التعبير - كشكول الأدب الشعبي.

أخوة وصداقة

وارتبط رضيمان الشمري - رحمه الله - بالشيخ عبدالله بن خميس - رحمه الله - بصداقة وأخوة ورفقة طويلة لم يكدر صفوها ولم يعكر مزاجها أي شيء، حدثني رضيمان قائلاً: إنه سافر مع الشيخ عبدالله بن خميس في كل رحلاته العلمية خلال تأليفه كتبه الجغرافية التاريخية، مثل (معجم اليمامة) فكان رفيق حضر وسفر ورحل وترحال، ومكثا أياماً وليالي طوال في الصحارى والبرية في صحارى نجد وشمال وغرب وشرق المملكة أيام الربيع وفي الشتاء مع بقية الرفقة من شعراء ورواة للشعر، وكانوا أمثال الراوية الشهير المرجع عبدالعزيز الفايز - أستاذ الرواية بل هو أستاذ رضيمان في الرواية -، فلقد أخذ عنه رضيمان - كما حدثني - وكان يلازمه ملازمة تامة، وأخذ عنه كذلك الشيخ عبدالله بن خميس، ويحدثني الراوية رضيمان عن علاقته بالشيخ عبدالله بن خميس قائلاً: التقيت الشيخ عبدالله لأول مرة عند أحد الأصدقاء وبدأت صداقتنا من تلك اللحظة، وقد استفدت من الشيخ عبدالله كثيراً وخصوصاً في مجالسه التي تضم نخبة مختارة من الشعراء، ويقول أيضاً: ومعظم رحلات الشيخ عبدالله الداخلية والخارجية كنت معه، وبيني وبينه مساجلات شعرية ومداعبات طريفة ومليحة، وعندما كان يعد برنامج «من القائل» كان يستعين بي في قراءة الرسائل التي ترد عليه، ويطلب مني إفادتي في القصائد الشعبية التي لا يعرفها، وقد ذكر الشيخ عبدالله بن خميس رضيمان في مقدمة كتابه (الشوارد) الجزء الثالث من ضمن الرواة الذين استفاد منهم، وذكره في كتاب (من القائل) ضمن بعض الإجابات الشعرية - لعلها في إحدى قصائد الشاعر خضير الصعيليك.

عُمدة ومرجع

ويخبرني فهد بن رضيمان الشمري قائلاً: إنني عندما أخبرت الوالد رضيمان بوفاة صديقه الشيخ عبدالله بن خميس وكان الوالد يعالج في أميركا تأثر وبكى قرابة عدة دقائق، فكان تأثره كبيراً في وفاة صديقه ورفيق دربه، ولم يكن بينهما سوى عام واحد، إذ توفى الشيخ عبدالله في العام 1432هـ والوالد توفي نهاية العام 1433هـ في شهر شوال، وفهد من الملازمين لوالده يحذو حذو أبيه في مكارم وأخلاق الرجال وكذلك بقية أبناء الراوية رضيمان.

لقد كان رضيمان الشمري - رحمه الله - ملأ السمع والبصر في الرواية الشعبية، وكان عمدة ومرجعاً ومصدراً للباحثين والسائلين ومحبي الأدب الشعبي رغم مرضه الأخير الذي كان يعاني منه ويسافر شبه سنوياً إلى أميركا، إلاّ أن هذا المرض لم يؤثر على نفسيته بل كأنه لم يصبه مرض لمن لا يعرف أنه مصاب، وحتى في أميركا كان يلتقي بعض المبتعثين من السعوديين في مجالسه ويتدفق بروايته وقصصه الحلوة والمسلية والمفيدة، فكان الطلاب يسرون بهذا اللقاء الحافل بالموروث الشعبي - كما حدثني ابنه فهد -، رحم الله أستاذنا الراوية رضيمان وجعل مستقرّه في جنات النعيم.

رضيمان الشمري في شبابه
رضيمان الشمري وبجواره عبدالله بن خميس رحمهما الله
قصيدة «نمر بن عدوان» بخط رضيمان الشمري
فيد التاريخية مسقط رأس رضيمان الشمري
صلاح الزامل