وفي اعتقادي أن هذا المصطلح يعبر عن فكرة أساسية صاحبت نشأة وتطور العمارة عبر التاريخ وهي وجود الموارد والمعرفة التقنية و"القائد" صاحب الرؤية..

خلال الأيام القليلة الماضية حدث نقاش بين الزملاء حول مفهوم العمارة السلمانية وقد كنت طرحت هذا المصطلح وتحدثت عنه إعلامياً منذ عدة سنوات إلا أن هناك من يتحدث عن "الطراز السلماني" والحقيقة أن هذا المصطلح أثارني جداً لأن هناك فرقا كبيرا جداً بين "الطراز" الذي هو عبارة عن منتج معماري غالباً ما يكون محددا بمحددات بصرية معينة سرعان ما يتلاشى الاهتمام بها عندما تظهر سياقات جديدة في العمارة وهذا ما جعلني أتساءل عن الفرق بين الطراز السلماني في العمارة والعمارة السلمانية، ورغم أن مفهوم العمارة أوسع بكثير من مفهوم الطراز إلا أن المصطلح تعتريه بعض السلبيات الأمر الذي يدعو إلى البحث عن مصطلح يعكس ما حدث فعلاً في مدينة الرياض منذ منتصف السبعينات وحتى اليوم من الناحية المعمارية والعمرانية.

لن أتحدث عن ما دار في ذهني في ذلك الوقت لكني قرأت بعض الكتابات التي تريد أن تنظر للعمارة السلمانية وشعرت أن المكتوب يحاول أن ينسب هذه العمارة لمنتج معماري محدد قام به شخص محدد وكأن هذا العمل هو الترجمة الوحيدة لمفهوم هذه العمارة، وفي اعتقادي أن هذا المدخل النظري خاطئ من البداية ولا يمكن أن يقف علمياً أو نقدياً في مجال العمارة لأنه يمثل انحيازا في الرأي، وغالبًا أي عمل نقدي منحاز لا يحظى بالقبول المعرفي. إذاً اذا ما أردنا أن نتحدث عن ما يسمى العمارة السلمانية فيجب أن يكون الحديث مقنعا، فأمير الرياض (الملك سلمان يحفظه الله) منذ منتصف السبعينات اتخذ قرارات جريئة جداً تخص وسط مدينة الرياض وحي السفارات وإسكان وزارة الخارجية، وقادت هذه القرارات إلى أمرين، الأمر الأول المنتج المعماري الذي نراه اليوم نتيجة هذه القرارات، والأمر الآخر نشأة هيئة تطوير الرياض وتأسيس مكتب المشاريع 1982.

بالنسبة للمنتج المعماري فهذا يمثل أحد التفسيرات المهمة لرؤية الملك سلمان لكنه ليس التفسير الوحيد، فقد كان السياق الفكري المعماري في منتصف السبعينات وخلال عقد الثمانينات متأثرا جداً بعمارة ما بعد الحداثة ومرتبط بما كان يسمى بالعمارة المحلية التي كان ينظر لها الناقد الإنجليزي "كينث فرامبتون" والناقدان الإنجليزيان "بوب وروب كراير" ومشروعهم النقدي المرتبط بفكرة الأمير تشارلز "بريطانيا العذراء" في نفس تلك الفترة تم تأسيس جائزة الاغا خان 1977 للعمارة الإسلامية التي كانت تشجع العودة للتاريخ والانخراط في السياق المحلي الذي كان المهيمن على الفكر المعماري في ذلك الوقت. إذا المبررات التي دفعت للتفسيرات الأولى للرؤية السلمانية في العمارة كي تكون ذات سياق تاريخي غير مقبولة من الناحية النقدية لأنه مع تغير السياق الثقافي والتقني والمعرفي تتغير الأساليب ويتغير معها المنتج المعماري. ما نود أن نؤكد عليه هنا أن هناك فرقا شاسعا بين رؤية تركز على المحتوى المحلي وامتداده التاريخي وبين منتج معماري يعبر عن مرحلة تاريخية محددة فالرؤية أوسع وأشمل بكثير من المنتج المعماري نفسه.

المصطلح الذي اطمئن له أكثر من أي مصطلح آخر هو "الرؤية السلمانية في العمارة" وفي اعتقادي أن هذا المصطلح يعبر عن فكرة أساسية صاحبت نشأة وتطور العمارة عبر التاريخ وهي وجود الموارد والمعرفة التقنية و"القائد" صاحب الرؤية، ما يجعل للموارد والتقنية معنى ويحولها إلى منتج يصنع الثقافة ويولدها هي رؤية القائد. وهذا ما حدث في العاصمة الرياض وهي في بدايات تحولاتها الحداثية فقد كانت الموارد متوفرة والتقنيات الحديثة متاحة وبقيت رؤية أمير الرياض الذي تدخل في الوقت المناسب ليجعل مدينة الرياض إحدى المدن المؤثرة في المنطقة قادت تجربة معمارية فذة مرتبطة برؤية عميقة مولدة للأفكار الجديدة باستمرار.

بشكل عام العمارة بحاجة إلى حراك فكري وهذا الحراك يجب أن يكون مرتبطا بحد أدنى من الاتفاقات بين المهتمين في النقد المعماري في أي بلد في العالم. وأرى أن الرؤية السلمانية في العمارة تمثل هذا الحد الذي يمكن أن يضع الأسس المولدة لعمارة سعودية مستقبلية نابعة من الثقافة السياسية والمجتمعية في بلادنا. منذ فترة طويلة وأنا أبحث عن ماهية المعايير التي يمكن أن نقول عنها إنها معايير مؤسسة لعمارة سعودية معاصرة واليوم أرى أن الرؤية السلمانية في العمارة تمثل بداية قوية لكنها بحاجة إلى الكثير من التحليل والكتابة العميقة.