تحدد مرونة الاقتصاد قدرته على الصمود أمام الاضطرابات الاقتصادية، الصدمات، الدورات الاقتصادية الحادة، إما لاستيعابها في حالة حدوثها أو تحمل مخاطرها ومن ثم تخفيف أضرارها واستعادة قوته بأسرع من أثرها، فكلما كان الاقتصاد أكثر مرونة كلما أصبح قادرا على استيعاب هذه الصدمات والحد من آثارها على المدى القصر أو الطويل. وهنا يأتي دور صانعي السياسات الاقتصادية بالتنبؤ بالمخاطر المستقبلية ومدى تأثيرها على الأصول الاقتصادية ورأس المال التراكمي وما سينتج عنها من تكاليف باهظة، وكيف يتم التعامل معها من خلال بناء القدرات الاقتصادية والاستثمارية التي تحد من آثارها السلبية على أداء الاقتصاد وإعادة عجلة النمو الاقتصادي بخطى متسارعة.

وكثيراً ما تنطوي الصدمات والأزمات الاقتصادية على تغييرات في القطاعات الاقتصادية وهياكلها، نتيجة حدوث ركود اقتصادي محلي أو عالمي يؤثر على طلب السلع والخدمات، كما هو الحال مع جائحة كورونا التي أوقفت الأنشطة الاقتصادية العالمية والطلب على النفط، مما تسبب في انخفاض أسعاره بـ 60% في أبريل الماضي. وقد تتعرض أيضا صناعات معينة إلى انتكاسات يكون لها تأثير "الدومينو" على الصناعات الأخرى في إطار نموذج المدخلات والمخرجات وبمضاعفات اقتصادية سلبية على النمو الاقتصادي. هكذا تصبح المرونة الاقتصادية سلاحا دفاعيا وهجوميا يحبط أي هزات أو فشل للاقتصاد تحدثها الصدمات المتوقعة والمفاجئة.

فلولا تمتع الاقتصاد السعودي بمرونة كافية، لما استطاع تجاوز أخطار الهجوم الإرهابي على منشأتي النفط في بقيق وحرض خلال أسابيع معدودة وبأقل التكاليف الممكنة، رغم تراجع نمو الاقتصاد الحقيقي من 2.4% في 2018 إلى 0.3% في 2019. كما برهنت أيضا جائحة كورونا في وقتنا الحالي على مرونة الاقتصاد السعودي وقدرة الحكومة على الحد من آثارها الاقتصادية والاجتماعية، وذلك بتقديم مليارات الريالات لدعم المنشآت الخاصة وتحمل ما نسبته 60% من رواتب العاملين السعوديين لديها، وهذا سيخفف من حدة انكماش النمو الاقتصادي المتوقع إلى -2.3% في 2020، وسيعزز النمو إلى 2.9% في 2021، حسب توقعات صندوق النقد الدولي. إن اتخاذ الحكومة خطوات تنفيذية متقدمة من خلال برامج ومبادرات رؤية 2030، بإعادة هيكلة الاقتصاد وتنويعه، تعديل أسعار الطاقة والمياه، فرض ضريبة القيمة المضافة، تعزيز حوكمة وشفافية المشتريات العامة ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي، عززت المرونة الاقتصادية لمواجهة الأزمات الاقتصادية. فمن الأهمية بمكان، الاستمرار في بناء قدرات الصمود الاقتصادية لمواجهة الصدمات، بتنويع مصادر التمويل والقاعدة الصناعية التي تستهدف تنمية التكتلات الصناعية والناشئة بناءً على نقاط القوة التنافسية والقدرة التنافسية للاقتصاد لتحقيق أهداف الرؤية نحو المزيد من المرونة الاقتصادية، القادرة على تحييد هذه الصدمات وفي حالة وقوعها تحملها ومن ثم الخروج منها بأسرع وقت ممكن.