هناك دول لها مصالح كبيرة في إرباك هذه المنطقة وإشعال لبنان البلد المفكر الذي تعود على صناعة الثقافة والمعرفة وساهم في تغيير العقل العربي خلال العقود الأخيرة. هي ليست مؤامرة على ما أعتقد ولكنها الظروف التي شكلت بنية المجتمع اللبناني وساهمت في تشرذم هذا المجتمع وتشتته

الانفجار المروع الذي حدث يوم الثلاثاء الفائت في مرفأ بيروت لن يكون الأخير ولم يكن الأول لكن حجم الانفجار هذه المرة أشبه بالدمار الشامل لمدينة وادعة يسكنها كثير من البسطاء والأنقياء ومعهم بعض الساسة الذين لا يفكرون إلا في مصالحهم الخاصة. الحالة اللبنانية كما وصفها المفكر أمين معلوف في كتابه "الهويات القاتلة" يصعب إيجاد حل لها بل يكاد أن يكون الحل مستحيلاً لأن الإشكالية نابعة من بنية المجتمع اللبناني الطائفي فالتنافس في هذا البلد ليس على التنمية والتطوير وبناء المجتمع وتجاوز التاريخ والماضي بل على إيجاد محط قدم على المستوى السياسي وتوسيع هذه الرقعة مهما كانت النتائج. إذاً دعونا نقول إننا تمام حالة مستعصية وكل ما نسمعك في وسايل الإعلام من أفكار سياسية ومساعدات اقتصادية وغيرها لن تجدي نفعاً أبداً طالما أن البنية الثقافية الطائفية للمجتمع اللبناني هي التي تقود القرار السياسي والاقتصادي.

كلنا يعلم أن لبنان مختطف بشكل كامل من حزب الله وأن الإرادة السياسية اللبنانية بيد قادة هذا الحزب، جميع المرافق الحيوية في هذا البلد تهيمن عليها ميليشيا هذا الحزب. أما الغريب في الأمر منذ الثلاثاء الماضي ونحن نسمع تهديدات لحزب الله وأنه سبب المشكلة وأنه لا يحترم الدولة ولا الجيش اللبناني وأنه دولة داخل الدولة اللبنانية وقد سمعنا هذا الكلام مراراً وتكراراً ولم يحدث أي شيء لأن المنطق الذي يتبعه حزب الله هو منطق القوة ووجود هذا الحزب في لبنان مطلوب حتى لا يكون هناك أي استقرار في هذه الدولة ولا حتى الدولة المجاورة لها ومن يدعم هذا الحزب في اعتقادي ليس إيراناً فقط بل هناك دول لها مصالح كبيرة في إرباك هذه المنطقة وإشعال لبنان البلد المفكر الذي تعود على صناعة الثقافة والمعرفة وساهم في تغيير العقل العربي خلال العقود الأخيرة. هي ليست مؤامرة على ما أعتقد ولكنها الظروف التي شكلت بنية المجتمع اللبناني وساهمت في تشرذم هذا المجتمع وتشتته.

عندما قرأت كتاب أمين معلوف لأول مرة في منتصف التسيعينات صدمت بشدة من مصطلح "الهويات القاتلة" كيف يمكن أن تكون الهوية قاتلة وقدمنا في ذلك الوقت أرى أن الهوية هي ملاذ ثقافي للمجتمع يحقق له الحماية والقوة على أن معلوف كان يقرأ مستقبل لبنان ويرى نمو الهويات الشرسة التي تهمش الآخر المرتبطة بإيديولوجيات قاتلة لا تعترف بوجود إلا الأنا وتكرس هذا الأنا إلى درجة إغفال وعدم رؤية أي شيء آخر وبالتالي نحن في لبنان نصطدم بهذه الهويات القاتلة التي أدت إلى حرب 75 وصعود حزب الله كدولة داخل الدولة لا أحد مواجهته والتوقعات مفتوحة لجميع الطوائف أن تعمل على تعزيز قوتها وحضورها وأن تنفرد وتنفصل عن جسد الدولة اللبنانية ورغم أن كثيراً من الزملاء الذين أعرفهم من لبنان منذ الثمانينات وحتى اليوم يتمتعون بحس إنساني راقي يبتعد بكل قوة عن الطائفية والعنصرية وينظرون إلى مدينتهم بيروت كمدينة الأحلام الآيلة للسقوط، يتجرعون مرارة الألم وينظرون لها نظرة المحب العاجز وهم يحلمون ببيروت الستينات وببساطتها وبساطة سكانها وبحضورها السياسي والاقتصادي وبحثها عن نقاط الالتقاء بدلاً عن نقاط الاختلاف ولعلهم يضربون يدهم كف بكف كيف وصلت حالة بيروت إلى هذه الحالة الميئوس منها.

بيروت المدينة العبقرية المولدة للإبداع يكمن فيها الحل، يجب على سكان هذه المدينة أن يرفضوا هذا التشرذم وأن يكونوا واضحين بينهم وبين انفسهم أن الحل لا يكون في الانحياز للطائفة ولا للهوية القاتلة بل في الهوية الجامعة الحل في لبنان نفسه وفي بقائه. سيعاني هذا البلد الصغير في مساحته، الكبير في تأثيره من الكثير من المعاناة والصراع لأن المواطن اللبناني لم يحدد ماذا يريد حتى هذه اللحظة، هل هو ينتمي للطائفة والحزب أم للبنان هل الهدف الكبير بالنسبة للبناني هي الهوية الوطنية أن هوية حزب الله هل القيمة الرمزية التي يربي أبناءه عليها هي قيمة لبنان كبلد وكثقافة وكمجتمع أم أنه يعلم أبناءه في مدارس الطائفة ليتشرب قيمها وهويتها القاتلة. أما بيروت المكان فله مكانة خاصة في نفسي هي مدينة تحتضنك وتطبطب عليك وتشعرك أنك أحد أبنائها فهي لا تستحق أبدا ما حدث لها يوم الثلاثاء الفائت ورغم أنني أرى أن هذه المدينة تخرج أمكنتها المبدعة من رحم المعاناة إلا أنني اتمنى لبيروت سعة العيش وأمن الحياة وترابط المجتمع وتكاتفه.