الأديب الكبير عبدالله بن خميس - رحمه الله - من العلامات الفارقة في الأدب السعودي، وهو من أهم الأعلام الذين تركوا بصمة أدبية متميزة؛ ولست هنا أعرّف به وبمسيرته العلمية، والأدبية، وعضوياته، وإنجازاته؛ فهو أشهر من أن يعرّف؛ لكن ما جذبني إليه أكثر تلك الشاعرية الوطنية التي تجذرّت بعمق في نصوصه؛ إذ لا يمرّ القارئ بقصيدةٍ له إلا ويجد فيها أثراً للوطن، كأنما هو يتنفسه، ويستعذب ذكره، ويرى جمال القصيدة لا يكتمل بغيره.

ومنذ أن تفتّقت شاعريته، كان أول نبوغه من خلال قصيدة دبّجها في مدح الملك عبدالعزيز - طيّب الله ثراه - فكان الوطن هاجساً يحرّك شاعريته، ويعلن عن بزوغ نجمه. فعند زيارة الملك عبدالعزيز - رحمه الله - للطائف، كان ابن خميس على رأس وفد طلابي من مدرسة (دار التوحيد) وأنشأ رائعته التي منها:

تهلّل فيك الشعبُ وافترّ ثغرُه / وأقبلَ في ثوب الفخارِ يَجُرُّه

ونادى المنادي عند رؤياكَ قائلاً: / تبدّى لنا من ظلمة الليلِ فجرُه

فكانت تلك القصيدة الوطنية التي كتبها الشاعر في مدح المؤسس - رحمه الله - فاتحةً لانطلاق موهبته، وتفتّح شاعريته، ثم تتابعت قصائده الوطنية بعد ذلك؛ فكان الوطن مؤذناً بميلاد شاعرٍ سعودي كبير.

وحين نطالع ديوانه الذي يرمز عنوانه إلى بُعد وطني (على ربى اليمامة) نلمس فيه إحساساً وطنياً عميقاً، فتراه حاضراً بقصائده في حفل تخريج الضبّاط (أنجبيهم من ثراكِ الطيّبِ..)، وتراه في غير موضعٍ يثني على حكاّم الوطن، والدعوة المباركة، ويستدعي المواقع التاريخية، كوداي حنيفة، واليمامة، والدرعية، وغيرها. يقول مثلاً:

فلله من لطفٍ أتيح لها ..

تبنّاه من آل السعود الأماجدُ

لدن رفعَ الشيخُ الوقورُ نداءَه ..

بأني للدِّينِ الحنيفِ مُجدِّدُ

فآزره آل السعود ولم يَنُوا ..

لإعلاء دين الله أَبلَوا وشيّدُوا

فأرسوا على أرض الجزيرة دولةً ..

يحوط حماها مُصحفٌ ومُهنَّدُ

فمن هاهنا سادوا ومن هاهنا عَلوا..

ومن هاهنا تاجُ العُلى كان يُعقَدُ

ومن هاهنا شُوسُ الملوكِ تتابعوا..

إذا ماتَ منهم أَصيدٌ قام أَصيدُ

ومن هاهنا تَعَلَّمَ الناسُ دينَهم ..

نَقيّاً كما أملاهُ مِن قَبلُ أَحمدُ

فعادَ إلى الإسلامِ سابقُ مجدِه ..

ولم يبقَ مَن يَعثُو بظلمٍ ويُفسِدُ

فساءَ دعاة البغي من كل أرعنٍ ..

له سالفٌ في مرتع الظلم أسودُ

وقد كتب في حاشية تلك القصيدة عند كلمة (الشيخ): «إمام الدعوة السلفية محمد بن عبدالوهاب رحمه الله»، كما كتب عند كلمة (أرعن): «هو محمد علي الذي قذف الدرعية بالحديد والنار، وأحرقها بقيادة ابنه إبراهيم ومن ورائهما الدولة العثمانية الحاقدة».

ولو طالعنا قصائد الديوان لوجدنا (الوطن) ينضح في كثير من الأبيات، بل في العناوين أيضاً (الدرعية - هذه الجزيرة - قادها عبدالعزيز - جندي الحرس - سلمت يد شعب الجزيرة - على ربى اليمامة - جبل طويق - طود اليمامة - في وادي العمارية - من وحي عسير - العيد في أبها - حائل - على ربوات غامد وزهران - وقفة على سد جيزان..) وغيرها من القصائد التي تطفح بحب الوطن في عناوينها ومضامينها. لقد كان ابن خميس شاعراً وطنياً بامتياز، وقصائده الوطنية ينبغي تأملها، والوقوف عندها بمزيد من العناية، والدراسة، والفخر والاعتزاز.