تنظم الكورونا صفوفها، وفي تحالف غير متوقع تضم قواتها للحرائق التي نراها تندلع على غير توقع في مناطق مختلفة من العالم، وليس آخرها الحريق في البرتغال أو بالقرب من بيريتز في فرنسا لتلتهم غابات ضخمة وتشرد الآلاف من بيوتها، الحريق الأخير في البرتغال يذكر بحريق العام الماضي والذي يصفونه بـ»فزع لا يصدق»، يفوق ذلك الفزع الحريق الذي شب العام الماضى في غابات أستراليا وذهب ضحيته 300 مليار من الحيوانات والأحياء المختلفة. حرائق يأتي بها الصيف وناتجة عن التسخين الحراري للأرض والآخذ في التصاعد، والذي تبدو معه الدول عاجزة عن مواجهته أو تغيير سياساتها الاقتصادية ومواصلة الاستنزاف لكوكب الأرض وإبادة غاباته وغطائه النباتي، حيث أثبتت الدراسات أن الغابات هي أحد العوامل الأساسية في موازنة حرارة الأرض، لذا تتجه بلديات الدول لخلق مساحات من الخضرة في مدنها، وهو ما تخطذ لتحقيقه «آن هيدالجو» رئيسة بلدية باريس، والتي ستسعى لاستحداث غابات حضرية في باريس. ويأتي السؤال، «أين ستجد الأماكن لتلك الغابات؟»، سؤال مفتوح، وتأتي إجابات متفرقة، مثل النية في استغلال الساحات أمام مباني البلديات، أيضاً ستسعى بلدية باريس لاستغلال ساحات المدارس، حيث سيقومون بتشجيع الطلبة من كل الأعمار للمساهمة في إنشاء مزارع تعليمية تزرع فيها الخضار والفواكه، وتتحقق فيها مواصفات «الزراعة المستديمة permaculture» التي تكون حقولاً للتنوع الأحيائي للبيئة، ما يزيد على العشرين ألف شجرة مستقطبة الحيوان والطير والحشرات لمزروعاتها الغنية بتنوعها وحيويتها.

هذا وتعتزم بلدية باريس أيضاً ضمن خططها المستقبلية التوسع بزراعة حدائق بمسمى «حدائق مشتركة jardins partagés» مفتوحة لأهالي الأحياء من دون تمييز ولكل من يرغب ويهوى الزراعة والتجريب، بحيث يرتاد أهالي الحي تلك المساحات المخصصة، ويزرعون ما شاؤوا من نباتات وخضار وفواكه، حيث توفر البلديات لهم الأرض والتربة ومياه السقاية وذلك مجاناً من دون مقابل، بحيث يكون الفرد حراً في مساحته والعناية بمزروعاته، كما بوسعه مشاركة المحاصيل لو شاء أو القيام بمبادلات للمحاصيل مع جيرانه. 

20.000 شجرة لن تلبث أن تملأ ساحات باريس وضفاف نهرها السين وشرفات البيوت وأفريز نوافذها بل وسيتم التوسع في تحويل أسطح المباني العامة لحدائق أيضاً، بحيث بوسعنا عند التحليق بالطائرة على مدينة النور رؤية تلك البقع الخضراء، حتى ليخيل إلينا أننا نحلق فوق غابة، ظواهر لن تلبث أن تنتشر بأنحاء العالم وبالذات في العواصم، وذلك كخطوة صغيرة ضمن خطوات لمواجهة التسخين الحراري للكوكب.

وهذا يجعلنا نكرر بأن التوقعات للمستقبل لا تبشر بخير ما لم نسارع لاتخاذ إجراءات جادة في رتق الغطاء النباتي للأرض، حيث بلغت الحرارة في القطب 22 درجة مئوية وهو أمر لم يسبق له مثيل من قبل حيث أقصى درجة بلغتها حرارة القطب لم تزد عن خمس درجات، كما رصد العلماء ظاهرة منذرة أخرى تتمثل في الثلج الزهري الذي ظهر فجأة هذا العام على الجبال على الحدود الإيطالية، ويقرأ العلماء هذه الظاهرة بأن الثلج لم يعد يعكس ضوء الشمس كما هي العادة، بل بالعكس صار يمتص أشعة الشمس بسبب نوع من الطحالب تتشكل داخله، ما يسارع في ذوبانه، ويزيد ظاهرة ذوبان الجليد الخطرة، خطورة لعدة أسباب منها أن ذوبان الجليد يؤدي إلى إطلاق كميات كبيرة من الميثان، وهو غاز دفيء قوي في الغلاف الجوي، مما يسبب المزيد من تسخين الأرض، كما يطلق فيروسات كامنة تحت الجليد منذ ملايين السنين وربما الكورونا لا تقارن في خطورتها مع خطورة ما يمكن انفلاته من مردة الفيروسات من قمقم الجليد.

عالم يتأرجح كما يعتقد علماء البيئة على كف عفريت، بينما يذهب المتفائلون للاعتقاد بأن الطبيعة ستتدخل وستنقذنا.

فهل نمد للطبيعة أيدينا حتى نعينها في الإنقاذ؟