الموضوعات الثقافية والاجتماعية التي تطرح للنقاش؛ كثيراً ما يركز الجدل على المسائل المتعلقة بالقيم، مثل الحداثة والتنوير، وهل يمثلنا أم لا وأهمية أن يقوم أي مشروع ثقافي عليها، ولكن الثقافة لها جانب آخر، يتعلق بكونها سلعة يقوم المواطن باستهلاكها، سواء في صورة كتاب أو أسطوانة أو فيلم سينمائي أو عرض موسيقي أو مسرحي أو زيارة متحفيه.. إلخ، أي هناك سلعة قد ينفق عليها المواطن قدرًا من المال كمستهلك، أو تستثمر فيها الدولة جانبًا من ميزانيتها، ولأنها سلعة فهي ترتبط بسوق، وهذه السوق مثل أي سوق، فإن أحد محدداتها هو طلب المستهلك، لذا يصبح من المهم التعرف على السلوك الاستهلاكي في سوق الثقافة لتحديد السلع الثقافية المزدهرة وتلك المندثرة، والاسترشاد بذلك عند التخطيط والاستثمار في مجال الثقافة.

وزارة الثقافة الفرنسية تقوم كل عشر سنوات بعمل دراسة مسحية حول أنماط الاستهلاك الثقافي للمواطن الفرنسي، بدأت في العام 1973، وكان أحدثها هذا العام، والتي من نتائجها التي جاءت في الدراسة الفرق بين الثقافة الكلاسيكية (القراءة والمسرح والموسيقى الكلاسيكية والمتاحف والسينما) والثقافة الرقمية (المرتبطة بالإنترنت، الموسيقى على وجه الخصوص، وكذلك الفيديو عبر الإنترنت)، وما تسميه (ثقافة الخروج) و(ثقافة غرفة المعيشة).

وتشير الدراسة أيضاً إلى أن جمهور الثقافة التقليدية أو الكلاسيكية بدأ ينخفض ويركد، كما بدأ يشيخ أيضًا، أي أصبح معظمهم من كبار السن، ويعيشون في المدن، ومن النساء أكثر من الرجال، وينتمون إلى دوائر اجتماعية ميسورة أو مؤهَّلة، في حين حافظت نسبة الذهاب إلى السينما على استقرارها، إلا أن الطابع الشبابي للذهاب للسينما بدأ ينخفض، كما يشهد الذهاب إلى حفلات الموسيقى الكلاسيكية شيخوخة متزايدة، وانخفضت نسبة من يمارسون الموسيقى أو الغناء أو الكتابة أو الرسم أو النحت أو المسرح أو التصوير الفوتوغرافي كهواية، وكذلك انخفضت نسبة قراءة الكتب بشكل حاد، ومعظم من يشترى أكثر من كتاب هم من الفئة الأكبر سنًا، ولا يتم استبدالهم.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الظاهرة تثير مشكلة بقاء الثقافة الكلاسيكية، وهل يمكن للدولة أن تواصل تركيز معظم جهودها على هذه الثقافة، التي ينكمش جمهورها؟ أما الثقافة التي تأخذ صورة رقمية أو بصرية أو صوتية، فهي في حالة انتشار كبير، ويستهلكها جمهور من الشباب، الذكور أكثر من الإناث. وحدث الانفجار الأكبر في الاستماع للموسيقى، والذي ازداد بشكل مذهل في السنوات العشر الماضية. ويتم استهلاك هذا المحتوى الرقمي، وبشكل رئيس مقاطع الفيديو من خلال الإنترنت. وأن نصف الشباب ما تحت سن 25 عاما، و79 ٪ ممن هم تحت سن 39 عاما، يقرؤون القليل جدًا، وأحيانًا يذهبون إلى السينما، ونادرا ما يذهبون إلى المسرح أو المتحف.

ما أحوجنا للقيام بمثل هذه الدراسة لأنماط الاستهلاك الثقافي السعودي والعربي للتعرف على الواقع، وتحديد أولويات الاستثمار الحكومي في هذا القطاع المهم، والإسهام في رسم خريطة طريق لمستقبل الثقافة في السعودية.