القوة الرمزية التي يختزنها الحج تظهر وقت الأزمات، وهذه ظاهرة يجب أن نتوقف عندها، فالشعائر الخالدة غالباً ما تظهر مقاومتها للصور الذهنية التي ترسخت في أذهان الناس، وتمتلك المقدرة على بناء صور ذهنية جديدة تتماهى مع الظروف المحيطة..

تعودت أن أكتب مقالا عن الحج كل عام، فهذه الفريضة مليئة بالمشاهدات والدروس التي لا تنتهي، كما أذكر أنني كتبت في العام الفائت عن أن الحج يعبر عن فلسفة "الأقل هو الأكثر" وكنت أتحدث عن طقوس هذه الشعيرة التي تجعل من كل حاج يتجرد من كل ملابسه ومن كل شيء يقتنيه تقريبا، وكأن الحج يقول لكل إنسان إن ما تملكه هو مجرد زيادة قد تكون غير ضرورية. هذه الفلسفة بالذات تعبر عن روح وفلسفة الحج التي تنزع الإنسان من الأمور الدنيوية وتعيد تعريف الحياة بالنسبة لها كونها معبر إلى شيء أهم وأبقى. يمتد هذا الدرس السنوي إلى تفاصيل مهمة في معنى الحياة بالنسبة للأفراد ولكونه تجربة عملية فهو يبقى في النفوس لفترة طويلة ومع ذلك الإنسان لديه قدرة على تجاوز الدروس المهمة في الحياة والعودة إلى طبيعته المليئة بالأخطاء والمفاهيم المشوشة التي تعيده إلى نمط حياته التي اعتاد عليها.

على أن فلسفة "الأقل هو الأكثر" في الحج لا تتوقف عند الأمور الشخصية للحاج، بل إنها في هذا العام تبرز جانبا رمزيا لشعيرة الحج وهو الجانب الرمزي الذي تمثله هذه الشعيرة، فكما نعلم أن وباء كورونا كان سيؤدي إلى تعطيل هذه الفريضة لولا قرار حكومة خادم الحرمين - حفظه الله - بإقامة الشعيرة بعدد بسيط قد لا يتجاوز الألف حاج لتأكيد الأهمية الرمزية للحج.

الأقل هو الأكثر هذا العام فمن ملايين الحجاج إلى ألف حاج - حسب تصريح وزير الحج - إلا أن تقليص العدد لم يقلل من روحانية الشعيرة، وكأن الناس جميعا أدت فريضة الحج وهي في بيوتها. القوة الرمزية التي يختزنها الحج تظهر وقت الأزمات وهذه ظاهرة يجب أن نتوقف عندها فالشعائر الخالدة غالبا ما تظهر مقاومتها للصور الذهنية التي ترسخت في أذهان الناس وتملك المقدرة على بناء صور ذهنية جديدة تتماهى مع الظروف المحيطة كما شاهدنا في صور طواف القدوم ومشهد عرفات المدهش.

إذا كان كورونا غير الحياة الاجتماعية والاقتصادية وأنه في طريقه لتغيير كيف سيتواصل العالم، وكيف ستكون الجامعات والتعليم بشكل عام في المستقبل، وقد يخلق تقنيات جديدة ويلفت الانتباه إلى مجالات غير مسبوقة إلا أنه في حالة الحج، بثبات وعمق هذه الشعيرة، لم ولن يستطيع تغيير الطقوس التاريخية ولا حتى أسلوب أداء هذه الطقوس كونها جزءاً جوهرياً وثابتاً في هذه الشعيرة ومهما تغيرت الظروف ستبقى هذه الطقوس أقوى من الظروف نفسها. هذا ما يجعل الرمزية الكامنة في الحج قادرة على توليد الظروف المواتية لأداء الحج دون أن يؤثر ذلك على القيمة الحقيقية لهذه الشعيرة. القوة الرمزية الكامنة مرتبطة بفلسفة الحج التي تحث على البساطة والتوجه للأقل والاكتفاء بالأساسيات، وهذا ما يعزز من عظمة وقيمة هذه الشعيرة التي لا تستطيع أن تفهمها بعمق إلا عندما تؤديها.

ربما أنظر للحج من جانبه العمراني الإنساني الذي يثير أهمية "الدراماكان" التي تستعيد الصور نفسها منذ أن أمر الله بالحج مع تغيرات طفيفة تعبر عن روح العصر. هذه النظرة لا تتحيز للعاطفة بقدر ما تتجه إلى الطاقة الكامنة التي تملكها شعيرة الحج. الدراما المكانية التي يعيدها الحج كل عام تعزز الصورة الذهنية مهما كان عدد الحجاج، وهنا تكمن الطاقة الرمزية الكامنة في هذه الشعيرة وهو نفس الأمر الذي يجعل من الحج طاقة كامنة متجددة قادرة على بناء صورها الذهنية بسهولة كبيرة.

حج هذا العام بعمقه الرمزي يحث على التفكير في كل الأشياء والمناسبات التي نستخدمها ونعيشها فهو يقدم جانبا من الحياة يدعو إلى "التقشف" في التعامل مع الأشياء بشكل عام. وفلسفة التقشف التي تركز على "حد الكفاية" في اعتقادي أحد أهم الدروس والخبرات التي يجب أن نتعامل معها في الفترة القادمة لأننا ببساطة مقبلون على نمط من الحياة جديد نظرا للظروف الاقتصادية التي نمر بها أو التي سنمر بها حتما. نحن في مرحلة تحول اجتماعي واقتصادي كبير وفلسفة الأقل هو الأكثر التي تدعو إلى "التقشف الممكن" تبين لنا حدود المرونة التي يمكن لكل منا أن يعيشها عندما يتعامل مع ظروف الحياة الطارئة، إنه درس مهم يجب ألا نتجاوزه دون أن نتعلم منه.