يذكر المؤرخون أن الخلفاء العباسيين حاولوا التخلص من سيطرة الأتراك وسطوة قادة جيشهم، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل، بل ذهبوا ضحية ذلك! إذن دعونا نتخيل ما الذي يمكن أن يحيق بذوي المكر القطري عندما تنضب أموالهم، أو عندما يحاولون التخلص من ابتزاز أردوغان؟

يحفل القرآن الكريم في مواضع متعدّدة من سوره بقصص التاريخ وتجارب الأمم، حتى يتعظ المسلمون ويعتبرون، إذ يدعوهم فيها إلى الالتفات إلى التاريخ، وما فيه من قصص الأوّلين، كقوله تعالى: "قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ" فلكل أمة منهاج وشرائع، وهي القوانين التي خضع لها الأوّلون في صعودهم وهبوطهم وانتصارهم وهزيمتهم، وهي كذلك تجاربهم، اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا وأخلاقيًا، بمنزلة قوانين تتحكم في بقائهم أو زوالهم. يقول الله تعالى: "لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ" أي عبرة لأهل الحجا والعقول يعتبرون بها، وموعظة يتّعظون بها.

يوجّه القرآن الأنظار إلى ضرورة معرفة تاريخ الأمم السابقة؛ فهناك أمم ازدهرت ثم انحدرت، وأخرى سادت ثم بادت، فالصعود والانحدار سنة من سنن الكون، لكن لكل أمة أسبابها، وسقوط الأمم وتشرذمها مفصل مهم من مفاصل دراسة التاريخ؛ لأخذ العبرة وتجنيب ذوي العقول ما قد يوقعهم في الإشكال نفسه.

تحفل كتب التاريخ العربي بقصص فيها من الدروس والعبر ما ليس في غيرها، وتحمل قصة سقوط الأندلس كثيرًا منها "ولو أردنا أن نبحث عن مرحلة من تاريخنا تحمل بين جنباتها كلّ دروسه لما وجدنا أفضل من الأندلس" التي فتحها المسلمون الأوائل، وضيعها أحفادهم بعد نزاعهم وصراعهم فيما بينهم، فقد تنازعوا ففشلوا: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم" أي قوتكم ونصركم؛ وقد تجلت سنن الله كاملة في الأندلس، فالسقوط لم يكن عشوائيًّا أومفاجئًا؛ بل كان نتيجة طبيعية لعوامل الضعف والانهيار، كما لعبت الخيانات والتآمر ضد بعضهم، والتحالف مع الأعداء والخضوع لابتزازهم، دورًا أساسًا في ضياعها، كذلك انخراط حكامها في حروب ونزاعات افتعلوها وأحسن أعداؤهم تسعيرها. ويحدثنا التاريخ أن عائشة الحرَّة والدة أبي عبدالله الصغير آخر ملوك غرناطة، قالت له وقد رأته يبكي بعدأن سلم الأندلس:

ابكِ مثلَ النساءِ مُلكا مُضاعًا

لمْ تُحافظ عليه مثلَ الرِّجالِ

وكأني بها صوت عاقل يخرج من قطر يوقظ حاكمها، ويحذره من مغبة الاستمرار في عدوانه وشره وتآمره على بني جلدته، فقد بلغ تماديه في الشرّ حدّا ينذر بمنقلب ونهاية، لا تقل سوءًا عن نهايات من استغرقهم الغرور والعدوان والجهل، والشعور بفائض قوة مزيفة. وإن كان ما حدث في الأندلس بعيد زمنيًا، فالتاريخ المعاصر يحكي لنا كيف جنى تهور بعض الحكام وجهلهم وغطرستهم على دولهم وشعوبهم، كما في العراق وسورية وليبيا.

أمّا في المشرق العربي فقد كان الواقع لا يقل سوءًا عما حدث في الأندلس، عندما تمزقت الخلافة العباسية شرّ ممزق بتسلط الفرس والترك أعداء الأمة العربية حتى يومنا هذا.

فقبل سقوط الأندلس بـ(624) سنة، تحكي كتب التاريخ مثل كتاب (الفخري في الآداب السلطانية) لابن طباطبا أن الأتراك استولوا على الخلافة العربية في بغداد، منذ منتصف القرن الثالث للهجرة، ويؤرخ لذلك بمقتل الخليفة المتوكل سنة (247)، بقوله: "إلا أنّ الأتراك كانوا قد استولوا منذ قتل المتوكل على المملكة، واستضعفوا الخلفاء، فكان الخليفة في يدهم كالأسير، إن شاؤوا أبقوه، وإن شاؤوا خلعوه، وإن شاؤوا قتلوه!". وأضاف أنه لما وُليَّ المعتز الخلافة وكان بالمجلس بعض الظرفاء، فقال: "أنا أعرف من هؤلاء بمقدار عمره وخلافته، فقالوا: فكم تقول أنه يعيش وكم يملك؟ قال: ما أراد الأتراك".

ويذكر المؤرخون أن سبب تغلغل الترك وتسلطهم على الخلافة العباسية هو "أن الخليفة العباسي المعتصم بالله جلب آلاف الجنود الترك لتثبيت حكمة والقضاء على الاضطرابات، وذلك لما عُرف عن الترك من قوة وبطش وعنف في مقارعة الخصوم، وكانت أم الخليفة المعتصم جارية تركية، لذا أراد أن يقرّب أخواله من الترك لكسر نفوذ الفرس، ولكن أولئك الجنود سرعان ما أصبحوا يثيرون الشغب ويضايقون سكان بغداد، حتى اشتكى أهلها من عنفهم وهمجيتهم، فأنشأ المعتصم مدينة سامراء لتكون مقرّا للجنود المنفلتين وعاصمة له، وبعد سنواتٍ تعاظم شرّهم، وتناسلوا وازداد عددهم، ومن ثم قتلوا (ابنه) الخليفة المتوكل بن المعتصم".

أمّا المعتز بالله فهو أبو عبدالله المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد، كان من أم ولد رومية تسمى قبيحة، تولى الخلافة سنة (252)، وبطش الترك به أكثر من والده، وذلك لأنه قربهم وائتمنهم على ملكه، واستعان بهم ضد أهله، وأغدق عليهم الأموال، لكنّ نفاد الأموال كان سببًا مباشرًا في قتله أبشع قتلة! وهكذا يفعل المرتزق الأجنبي عندما يـُمكّن من الرقاب.

ولم يلِ الخلافة قبل المعتز بالله أحد أصغر منه: بنى قصره التاج، واصطنع الجنود المغاربة والفراعنة دون الأتراك بالجيش. يقول الذهبي في (سير أعلام النبلاء): "وكانت دولة المعتزّ مستَضعفة مع الأتراك" مشيراً إلى أن الخليفة كان "يخاف" أحد الأشخاص، وهو صالح بن وصيف التركي أحد الذين عذبوه وقتلوه، ففي سنة (255) طالبه الأتراك بدفع خمسين ألف دينار رواتب متأخرة لهم، فطلب من أمه أن تعطيه المبلغ فرفضت، فلما اعتذر للأتراك بخلو خزائنه، اتفقوا على خلعه وقتله، فهجم عليه جماعة منهم وجروه برجله وأقاموه في الشمس في صحن الدار في يوم صائف وهم يلطمون وجهه، ثم أدخلوه في حجرة وأحضروا جماعة أشهدوهم على خلعه وبايعوا محمد بن الواثق، وسلموا المعتز إلى من يعذبه فمنعه الطعام والشراب عدة أيام فمات، فلما قتلوه هربت أم المعتز فصادر الأتراك أموالها الطائلة، وهكذا يفعلون!

توضح مصادر تاريخية ذات وزن في التصنيف التاريخي العربي والإسلامي، أن للأتراك طريقة في القتل لإخفاء أي أثر يدل على تعذيبهم؛ كي يبقى القتيل صحيح الجسم أمام الشهود، كما في رواية للذهبي بقوله: "أخذوا المعتز.. ومنعوه الماء حتى كاد يموت عطشًا، ثم سقوه ماءَ ثلجٍ فسقط ميتاً". وهي طريقة قتل دون ترك أي أثر بادٍ على جسم القتيل الذي يُرغم على شرب الماء المثلج، بعد إخضاعه لفترة تعطيش طويلة، فيموت! ويبدو أن جند أردوغان غابت عنهم هذه الحيلة فلم يطبقوها على المعتقل الفلسطيني (زكي مبارك) الذي قال أهله عندما تسلموا جثته أنه ضُرب وعُذب وبُترت بعض أعضائه الداخلية.

ختامًا؛ يذكر المؤرخون أن الخلفاء العباسيين حاولوا التخلص من سيطرة الأتراك وسطوة قادة جيشهم، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل، بل ذهبوا ضحية ذلك! إذن دعونا نتخيل ما الذي يمكن أن يحيق بذوي المكر القطري عندما تنضب أموالهم، أو عندما يحاولون التخلص من ابتزاز أردوغان؟ وما الذي قد يفعله هو وجنوده في حال امتنع تميم عن تسديد الأموال، فقد أصبح مثل النار "يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ"! وليس أدل على ذلك من زيارته مؤخرًا للدوحة تلك الزيارة التي بلغت حدّا كبيرًا من الغطرسة التركية، والإهانة المزرية لتميم وطاقمه، بدءًا من مراسم الاستقبال وليس انتهاء بتوبيخ وزير خارجيته على طريقة جلوسه في حضرة سلطان الإخوان! فهل يستمر تميم ومن وراءه في غيهم، وتمكين أردوغان من سلب أموالهم؟ أو ينتهي تميم كما انتهى المعتز بالله على أيدي الرعاع الأتراك؟