عالما الإدارة والثقافة عالمان متكاملان، والثقافة اليوم تميل أكثر فأكثر للارتباط بالإدارة، والركض في حلباتها يتطلب المزيد والمزيد من الجهد الدؤوب والمثابرة المستمرة التي لا تعترف بالعقبات والمعوقات؛ ليبقى المنعطف الأجمل في تفاؤل المثقفين ورؤية الثقافة، حيوية سمو وزير الثقافة وفريقه..

عالما الإدارة والثقافة عالمان متكاملان، والثقافة اليوم تميل أكثر فأكثر للارتباط بالإدارة، خاصة في ظل العمل المؤسساتي الذي يسعى إلى تأصيل الثقافة كفعل يومي وتواصلي واجتماعي واقتصادي.. وستبقى عملاً ارتجالياً غير قادر على الإنجاز المستدام دون إدارة ثقافية قادرة على تلمس الاحتياجات الثقافية للمجتمع بكل مكوناته والاستجابة لها وتحويلها إلى فعاليات مؤثرة في تنمية الذائقة الفكرية والجمالية للناس ولحضارة الأوطان.

"الإدارة الثقافية" كعلم قائم بذاته، يعتبر من العلوم الحديثة نسبياً على مستوى العالم، حيث بدأ في فترة التسعينيات، واهتم بكيفية إدارة المؤسسات الثقافية والاستثمار في المجال الثقافي بتخصصاته العلمية أو في مجالات المسرح والموسيقى والسينما والأزياء أو غيرها.. وتنطلق منه أساليب الإدارة الثقافية، منها ما يعنى بالأهداف أو تلك التي تركز على الاقتصاد الثقافي، أو الإدارات التي توازن ما بين المدخلات والمخرجات.. وهذه المنظومة المتكاملة، تحتاج إلى المواكبة والتفاعل مع التطور العالي والتجدد في النظم الإدارية المتغيرة، والانفتاح على الاستثمار والربحية ومعرفة عناصر القوة والضعف في العمل الثقافي المؤسساتي والبحث في إمكانية الاستثمار فيها بحيث تحقق التوازن بين الجانب الربحي والمعرفي، كالاعتماد على الحوكمة والتعاون بين مؤسسات القطاع العام والخاص.

ويبقى فن وتنظيم الإدارة الثقافية في المستويات كافة، شاملاً التخطيط وبناء وإقامة المشروعات، وإنشاء وإدارة المؤسسات، وعمليات الترويج، وهذا العلم يفترض به الوصول إلى الشكل الأمثل في الأداء بدءاً من تشكيل البنية التحتية للثقافة وقاعدتها المادية، والدعامة الأساسية التي يقوم عليها أي مشروع ثقافي، والخلل الذي يصيب هذه البنية يؤدي إلى اختلال في موازين القوى بين احتياجات المجتمع وما يفرض عليه، ما يؤدي إلى عزوف الجمهور، كون هذه الثقافة لم تتمكن من مخاطبته بالصيغة التي تجذبه.

وأعتقد أن متطلبات الإدارة الثقافية في وطننا الغالي عامة ووزارة الثقافة خاصة وتفعيل دورها في السنوات المقبلة، هو تحويل مفهوم الاستراتيجية من خطط عمل "مكتبية" الطابع البطيء إلى خارطة طريق عملية ديناميكية الطابع والإجراء، العمل على إعادة تشكيل ضمنية للمهمات والأقسام بحيث تعمل للمستقبل وليس للفترة الآنية، وفتح العمل على منهجية العصف الذهني وإشراك كافة شرائح المثقفين والمهتمين والمختصين والمجتمع، وبناء توجه داخلي على واقع فريق العمل، وتشكيل منظور استثماري مادي، ووضع التعدد الثقافي والديموغرافي في عين الاعتبار عند التخطي لأي فعالية بشكل عام، وفتح باب الورشات التدريبية الخاصة بإنماء "الإدارة الثقافية الحديثة"، واعتماد آليات ابتكارية نوعية معاصرة للارتقاء بأداء فريق العمل والمنتج الثقافي معاً.

وفي نفس المنعطف، استبشر السعوديون - خاصة المثقفين والأدباء - بقرار إنشاء وزارة للثقافة في 1 من يونيو 2018م، وفي مساء 27 من مارس 2019م كنا على موعدٍ مفصلي ومنعطف مهم مع ثقافتنا ووزيرها الشاب الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، بتدشين نشاط وزارة الثقافة، وإعلان رؤيتها وتوجهاتها، ومجموعة من المبادرات التي تندرج تحتها، والقطاعات الثقافية التي ستدعمها، إضافة إلى إطلاق الموقع الرسمي لوزارة الثقافة وحساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي.

ووسط ابتهاج المثقفين السعوديين، احتوت رؤية وتوجهات الوزارة على مبادرات متنوعة، تغطي جميع اتجاهات النشاط الثقافي "تقريباً"، وتشتمل على إنشاء هيئات ثقافية ودعم كيانات وقطاعات؛ تساعد على رفع مستوى جودة الحياة في جميع مناطق السعودية، والوصول إلى أفضل نظام لتطوير قطاع الثقافة، بما يحقق أهدافها ضمن برامج "رؤية المملكة 2030"، ويحولها "أسلوب حياة"، ورافداً اقتصادياً وطنياً مهماً.

انطلقت الوزارة برؤيتها وأعلنت عن هيئاتها ومبادراتها وأصدرت تقريرها للعام الماضي مفصلاً، اتفق على دورها الكثير واختلف مثلهم وخصوصاً فيما يخص الأندية الأدبية والجمعيات الثقافية وتأصيلها والاستفادة من دورها وخبرات القائمين عليها، وتماهت مع ملاحظات وأسئلة مجلس الشورى لوزارة الثقافة الجوهرية والمهمة، ولكن هذا كله للأمانة لا ينقص دور "وزارة الثقافة" وحراكها الكبير -وإن كان يسير ببطء لكنه لا ينظر إلى الوراء- بقيادة سمو وزير الثقافة الأمير بدر بن فرحان والذي نجده متحركاً في كل الاتجاهات محلياً ودولياً، ومتابعاً دقيقاً لحراك الوزارة، ودعم المثقفين والفنانين والوقوف على احتياجاتهم الإنسانية، وما لاحظته وغيري في تجاوزه "هيئات الوزارة" نفسها بحراكه الدؤوب داخلياً ودولياً وبما يتناوله في حسابه في "تويتر" من تغريداتٍ باهرة في عمقها أحياناً، ومبشرة أكثر تقودك إلى تباشير ثقافية وطنية محلية ودولية.

لا شك أن الثقافة والإدارة والركض في حلباتها يتطلب المزيد والمزيد من الجهد الدؤوب والمثابرة المستمرة، التي لا تعترف بالعقبات والمعوقات في طريقها، ليبقى المنعطف الأجمل في تفاؤل المثقفين ورؤية الثقافة؛ هو حيوية سمو وزير الثقافة ومعالي نائبه ورؤساء الهيئات ومنتسبي الوزارة، وهم أهلٌ لذلك بإذن الله.