لئن أرجع بعضهم أقدم النقوش التي ظهرت فيها الحروف العربية إلى منتصف القرن الثالث الميلادي، وأرجع بعضهم أقدم النصوص الرسائلية إلى الحضارة الأكاديّة في أواسط العراق قبل ثلاثة آلاف سنة، وإلى بعض التجار الآشوريين، وإلى الفراعنة الذين استخدموها في القرنين الرابع عشر، والخامس عشر قبل الميلاد؛ فإننا بإزاء شكل كتابي أخذ يتشكل منذ مرحلة قديمة جداً، إلى أن جاء العرب في القرن الثالث الهجري، وما بعده، فأطلقوا على هذا النوع من الكتابة (الكتابة الفنية)، ثم وشوّه برداء الرسائل أجيالاً متعاقبة؛ وهو ما يعني أن الرسائل ربما تكون الجنس الأدبي الأطول عمراً؛ لأنها مرت بمراحل تطور عديدة مقترنة بالكتابة.

من هنا تميز النصُّ الرسائليُّ عن غيره من النصوص النثرية الأخرى بسمات تاريخية وفنية، فأما السمات التاريخيةُ فتعود إلى نظامه التواصلي، فهو من أقدم الفنون النثرية الكتابية التي كان يُتواصل بها قديماً، منذ أن كانت الكتابةُ نقشًا على الأشجار، والأحجار، والجلود، إلى أن استحالت جنساً أدبياً ذا أصول فنية، وأشكال أدبية في القرون المتعاقبة، على يد أدباء أفذاذ نمّوه؛ فصار من بين الأجناس الأدبية المعمرة، وربما الهرمة في يومنا هذا؛ لأن وهجه خف عما كان عليه من قبل.

لهذا اتجه بعض النقاد في العصر الحديث إلى القول: إن أدب الرسائل واحد من أقدم الأنواع الأدبية النثرية، وأعرقها عند الأمم القديمة والحديثة على حدٍّ سواء، وهو يتميز إلى جانب ذلك بميزة أخرى مهمة جدًا هي الاستمرار؛ فهم يرون في هذا الأدب لوناً من العراقة، والأصالة؛ لذا عني الأقدمون به عناية فائقة، فحرصوا على تعلّمه، وتعليمه، ومعرفة أصوله، ومناهجه، وطرقه، وأدواته؛ فأُلِّفت كتب كثيرة دأبت على تثقيف الكتّاب، وتعليم الكتابة، وتأصيل الترسل، كأدب الكاتب لابن قتيبة (ت276هـ)، وأدب الكتّاب لأبي بكر الصولي (335هـ)، والصناعتين لأبي هلال العسكري (395هـ)، وإحكام صنعة الكلام لأبي القاسم الكلاعي (550هـ)، والمثل السائر في أدب الكاتب والشاعر لابن الأثير (637هـ)، وصبح الأعشى في صناعة الإنشاء للقلقشندي (821هـ)، وغيرها.

على أن لهذا الأدب سمة أخرى غير السمة التاريخية، وهي السمة الفنية؛ إذ هو عماد الكتابة وأصلها، وكان الاهتمام به منصباً على الجانب الفني المعتمد على الزخرفة اللفظية العالية؛ وفيه نلحظ اتساع الأفق الأجناسي؛ حيث إنه قد يحوي أجناسًا أدبيةً عدة تدور في فلكه الرحب، ويضمّها فضاؤه الواسع؛ فقد يجري في مداره الشعر، أو القصّ، أو الخطبة، أو المثل، أو المقامة، أو المقالة، أو السيرة، أو الرحلة، أو المسرحية، أو غير ذلك من الأجناس القديمة والحديثة التي تساعد على تميّزه وتألقه؛ وهو ما يجعل من أدب الرسائل - رغم عدم الالتفات إليه اليوم نقداً وإبداعاً - مجالاً خصباً للدراسات النقدية الحديثة.