إنّ وراءَ كل معركة قضيةً ما، تنمو وتكبر في عقل راجح فتصاحبها الحكمة والشجاعة والحق والعدل، وتنمو في عقل طائش فترافقها المخاتلة والتهور والخيانة والحقد، ولشدَّ ما ينطبق هذا القول على كثير من المتحزبين ضد أوطانهم..

ضجّت الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي والحسابات في تويتر، بالتسجيلات التي سربها المعارض القطري خالد الهيل لزائري خيمة القذافي من بعض إخونج الخليج. وفي حومة الهجوم والهجوم المضاد في تويتر، نُشر مقطع من تسجيل لإخونجي خليجي، وثق تحريضه على الإرهاب، وفخره واعتزازه بالإرهابيين، وإساءته لرموز بعض الدول الخليجية والعربية. وكشفت تلك التسربيات عّما بات يعرف بـ(البقع السوداء) وهم عناصر تنتمي لتنظيم الإخوان؛ وتدعمه ماديًا، وتتبنى منهجه المتطرف، ويوظفهم الإخوان لتحقيق أهدافهم، ولإثارة الفتنة في أوطانهم، ويستفيد ممن يصلون منهم إلى مراكز قيادية في أوطانهم.

أمّا التسجيل فكان جزءًا من محاضرة عقدت في إحدى الجمعيات السلفية في دولة خليجية، بتاريخ الأول من يناير 2009، وكنت كتبت مقالًا في هذه الصحيفة في العام نفسه بتاريخ 12 إبريل 2009، عنوانه (الإرهاب) رابط المقال: http://www.alriyadh.com/421620

ففضلًا عن هجومه وتحريضه على رموز دولنا، فقد حرّض على كتّاب الرأي في الصحف الخليجية والعربية الذين يكتبون ضد المقاومة - حسب زعمه - حدّ إباحة دمائهم إن لزم الأمر، وسط تصفيق وهتاف الحاضرين. ويشرح في المقطع الذي تداوله مغردو تويتر، طريقة عملية إرهابية في أميركا، بقوله: "... أربع أرطال من الإنثراكس، شنطة صغيرة يشيلها واحد فدائي ويدخلها من أنفاق ميكسيكو إلى الولايات المتحدة كفيلة بقتل ثلاثمائة وثلاثين ألف أميركي في ساعة واحدة إذا أتقن نثرها على الوعاء السكاني هناك (ويسترسل) مرعبة الفكرة!! يعني 11 سبتمبر تطلع زلاطة عند هذا الموضوع يضحك هو والحاضرون". ولا يكتفي بذلك بل يروج للإرهابيين بقوله: "أنتم بس لما يقولون إرهابي قولوا هذا رفيقنا لأن الإرهابيين أتقى ناس في العالم وأشرف ناس في العالم.. أنا لي الشرف إني قابلت الملا عمر وجلست معاه رجل ليس من هذا العصر".

إنّ السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو: هل ثاب الرجل إلى رشده بعد السنين العشر؟ قطعًا لا، حتى إنه ما انفك في أي ظهور إعلامي أو تغريدة له، يهاجم بلادنا وقادتها، فأيقنتُ أنّ الطبع يغلب التطبع، وأنّ الحزبية لا يحدّها خلق ولا قيم ولا دين، فهي دعوة للإفساد في الأرض، وتخريب اقتصاد البلدان، وإشاعة الفوضى، وتحريض على القتل، واعتداء صارخ على الإسلام بربط الإرهاب به، وتقوية الإرهابيين وشدّ أزرهم، والتغرير بالأبرياء، والاستهانة بدماء ضحايا الإرهاب! فأيّ فكر متطرف تلبّسه؟ وأيّ قضية خاسرة يدافع عنها بهذا المنطق المتطرف المقيت؟

سبق أن دعا باحثون متخصصون في دراسة الإرهاب إلى التعامل مع التطرف في الرأي أو (راديكالية الرأي) على أنه مرادف للإرهاب، أو مقدمة حتمية لحدوثه، وبالتالي يُعتبر مَن يروجون أفكارًا متطرفة محرضة على الإرهاب، إرهابيين محتملين.

لقد بدا المحاضر متلبسًا بالتطرف، ومشرعًا للقتل وإشاعة العنف بذريعة الدفاع عن الدين، فهل مسلكه هذا جديد، أم أنه طبع مترسخ فيه؟ يجيب على هذا السؤال مقال للكاتب العراقي رشيد الخيون في صحيفة (middle-east-online.com) نشره بتاريخ 13/ 4/ 2020 يكشف فيه عن مقال كتبه ذات الإخونجي في العام 1979 والمقال حسب الخيون ذو" شحنة دموية، أقل ما يُقال عنها إنها إرهابية، قبل أن يشيع مصطلح الإرهاب، بعد ظهور الجماعات الجهادية والميليشيات، وعنوانه (أثخنْ فيهم يا خميني.. سلمت يداك)، نُشر قبل 41 عامًا، ومنذ ذلك التَّاريخ ومازال الإسلاميون على سلوكهم لم يغيروا فيه شيئًا، وكاتب المقال نفسه يبرر ولا يعتذر للضحايا، ولا لخطاب الكراهية والقتل، متسلحًا على ما يبدو، بما كان يكتبه مؤسس الإخوان حسن البنا (صناعة الموت).. وقد حشد في مقالته، التي نُشرت في أوج الفوضى والإعدامات في إيران، عشرات الآيات القرآنية، كي يدلل على شرعية القتل، ولم يفقه أنه يعارض فسادًا بفساد صارخ، وهو لم يكن في (1979) خارجًا من سرب الإخوان في تأييد النظام الديني بإيران، وكانت هذه الجماعة تنظر إلى تلك الثَّورة بأنها فاتحة عصر جديد لهم، فالدول حسب منطقهم، ستتساقط تحت ظلال سيوفهم، بسند التجربة الإيرانية". انتهى

إن قوة تمكن الأفكار الحزبية من نفوس منتسبيها، مهدت نظريًا وعمليًا لميلاد أجيال من التنظيمات والجماعات الإسلامية الجهادية التي اتخذت العنف منهجًا، والاغتيالات مسلكًا لأسلمة الدولة والمجتمع، والانقلاب على الحكام وإقامة دولة الإخوان هما الغاية والهدف، لهذا استمرّ الشحن الذهني للأتباع ولفئة الشباب المستهدفين بخطاب متطرف يتكئ على مفاهيم الدين الإسلامي، كذبًا وزورًا؛ فلقد تشكلت مفردات العنف في مستويات خطابهم الذي يتوسل بالدين في شقين منه، الشق الأول شقّ الترهيب والتخويف من عدم القيام بما يتوجب عليهم من إنكار المنكر، وقتال المخالفين وما يترتب على ذلك من العذاب في الدنيا والآخرة، والشق الثاني ترغيبهم بنعيم الآخرة الذي سيحظَون به بصحبة الحور العين إن هم جاهدوا الكفار والمنافقين ومن ثم نالوا الشهادة.

لقد (علمنَ) الإسلاميون المتشددون الإسلام حيث اتخذوه وسيلة تنظير وقرؤوه بوحي من أحوالهم السياسية وأحوال العالم من حولهم وأسقطوها عليه، ثم استخرجوا منه حكمًا إسلاميًا هو في الواقع هواهم السياسي ذو المفردات الدينية التي زجوا بها في معاركهم السياسية، فحولوها عن مراميها ودلالاتها التي جاء بها القرآن الكريم وأحاديث الرسول الصحيحة.

ولم ينسَ الإخونج في غمرة حماستهم لاستغلال مفاهيم الدين لخدمة أجندتهم، تحريض أتباع فكرهم على أوطانهم، بدعوتهم إلى الانسلاخ عنها والانتماء إلى أمة الإسلام لا لأوطانهم، وهي الدعوة التي راجت حتى في بلادنا، حدّ وصفهم من يدافع عن الوطن بالعمالة له (حبذا التهمة)!

يقول أحد المشتغلين في الحركات الإسلامية: "لا يصح لا في العقل ولا في النقل أن تصبح الرابطة بين المسلمين راجعة إلى الوطنية والحدود الإقليمية، ويجب على مسلمي العالم أن يتحدوا ضد هذا التلاعب السخيف بعقول المسلمين". ولا شكّ أنه كان لتلك الدعوة صدى في نفوس بعض الشباب الذين تمكنت منهم الحزبية المقيتة، فترجموها عبثًا وإفسادًا وإرهابًا في أوطانهم حتى يومنا هذا.

ختامًا وعطفًا على التسجيل المذكور؛ يقال: إنّ وراءَ كل معركة قضيةً ما، تنمو وتكبر في عقل راجح فتصاحبها الحكمة والشجاعة والحق والعدل، وتنمو في عقل طائش فترافقها المخاتلة والتهور والخيانة والحقد، ولشدَّ ما ينطبق هذا القول على كثير من المتحزبين ضد أوطانهم.