دأبت حكومة المملكة العربية السعودية على جعل (المواطن أولاً) عند أي تغيير في استراتيجياتها الاقتصادية ولذلك نجد أن حماية المواطن أولوية قصوى في كل القرارات التي اتخذتها الحكومة حتى في ظل الأزمات الخانقة ولعل ما حدث خلال جائحة كورونا من ارتباك وحيرة في العالم صاحبها نقص في الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية وفقدان للوظائف وإفلاس للشركات، تجعل المواطن السعودي -يحمد الله- أن كل ذلك لم يحدث في المملكة خلال الأزمة فالغذاء كان متوفراً وبكميات كبيرة والخزن الاستراتيجي للأغذية يكفي على الأقل لمدة 6 أشهر والمستلزمات الطبية متوفرة وتم إنشاء مصانع جديدة في زمن قياسي لتوفير المزيد منها تحسباً لأي طارئ ودعمتها الدولة بتسهيلات مالية كبيرة كما أن الطاقة الاستيعابية للقطاع الصحي تمت زيادتها خلال 3 أشهر بمستشفيات ميدانية وسرراً إضافية للعناية المركزة بزيادة تجاوزت 30 % عن الطاقة الاستيعابية السابقة، ودعمت القطاع الخاص بحوالي 144 مبادرة بقيمة تجاوزت 214 مليار ريال من أجل الحفاظ على المكتسبات الاقتصادية وأهمها المحافظة على وظائف المواطنين.

وقد أظهرت نشرة سوق العمل عن الربع الأول بأن معدل البطالة بين السعوديين قد انخفض إلى 11,8 % وإن كان تأثير الأزمة لم يحصل إلا في شهر مارس إلا أن تراجع نسبة البطالة يعتبر مؤشراً إيجابياً في ظل هذه الظروف الصعبة، وقد لا يكون كذلك في الربع الثاني إلا أن نسبة البطالة لن ترتفع كثيراً كما حدث في الولايات المتحدة الأميركية، الأزمة أجبرت الحكومة على إجراء تعديلات ضرورية ومهمة على مدخلات الخزينة من الإيرادات غير النفطية من أجل مواجهة النقص الحاد في الإيرادات النفطية وقد تطول مدة تلك الإجراءات أو تقصر بناء على سرعة تعافي الاقتصاد العالمي وزيادة الطلب على المنتجات النفطية، ولكن المؤكد أن تأثير المتغيرات الاقتصادية سيطال المواطنين وهذا الأثر -ولله الحمد- محدود ويمكن التكيف معه للغالبية العظمى من المواطنين إلا أن هنالك فئة غالية علينا وهي الأسر محدودة الدخل أو المستفيدون من معاشات الضمان الاجتماعي قد يكون حجم التأثير عليها كبيراً، ومع أن الحكومة أطلقت في بداية تطبيق الهيكلة الجديدة للاقتصاد برامج للحماية الاجتماعية من أجل التخفيف على المواطنين من تبعات تلك المتغيرات إلا أننا الآن بحاجة إلى تطوير تلك البرامج وعمل ربط ما بين برامج الحماية الاجتماعية ومعاشات الضمان الاجتماعي ومساعدات الجمعيات الخيرية ولعل ضم الخدمة المدنية والعمل والتنمية الاجتماعية تحت مظلة واحدة ممثلة في وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية تجعل التغيير والتطوير أكثر ديناميكية وتذلل كل الصعوبات وتساهم في تدفق المعلومات.

ولعل أهم خطوة يجب أن تبدأ بها الوزارة هي تحديد الحد الأدنى لدخل المواطن بما يضمن له حياة كريمة يشمل الحد الأدنى على الضرورات الأربع المعيشة والسكن والمواصلات وفواتير الخدمات، ثم تطوير نظام آلي دقيق يعطي صورة واضحة لدخل المواطن سواء من الراتب أو من أي دخل آخر وعندها تستطيع الوزارة تحديد الدعم اللازم لكل أسرة سواء من خلال برامج الحماية الاجتماعية أو من خلال الجمعيات الخيرية وبذلك تضمن الحكومة وصول المساعدات إلى المستحقين لها، الجمعيات الخيرية لاشك أن لها دور عظيم في إيصال المساعدات إلى الفقراء ولكن عندما تتوحد الجهود وتكون المساعدات وفقاً لبيانات موحدة تحت مظلة وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية فإن ذلك سوف يساهم في عدم تكرار المساعدات لبعض الأسر وعدم وصولها إلى أسر أخرى قد تكون من الأسر المتعففة ويصعب على الجمعيات الوصول لها، كما أتمنى أن تتحول المساعدات من مساعدات عينية إلى مساعدات نقدية عبر نظام مدفوعات تابع للوزارة لتكون معلومات دخل الأسر متاحة لكل الجمعيات الخيرية قبل الشروع في دفع أي مساعدة وتحديد مبالغ المساعدات التي تستحقها الأسر المحتاجة.

دخل الجمعيات الخيرية يأتي من ثلاثة مصادر المصدر الأول من التبرعات والمصدر الثاني من الدعم الحكومي والمصدر الثالث من خلال القنوات الاستثمارية لكل جمعية وهذا المصدر يحتاج إلى تنظيم وإشراف مباشر من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية فالقرارات الاستثمارية لا يجب أن تكون بيد مجلس إدارة الجمعيات الخيرية لأن بعض القرارات قد تكون خاطئة وتضيع معها أموال الجمعيات وقد تتعطل لسنوات حيث إن بعض الجمعيات أدخلت أموالها في استثمارات عقارية ولم تستطع إكمال المشروعات بسبب نقص التدفقات النقدية وبعض الجمعيات ربما استثمرت أموالها في الأسواق المالية أو الصناديق الاستثمارية وربما تسببت في خسائر كبيرة للأموال، ولذلك يجب دراسة إنشاء إدارة متخصصة لاستثمارات الجمعيات الخيرية تحت مظلة الوزارة تعمل وفق دراسة علمية متخصصة لتحقيق أفضل العوائد وبمخاطر أقل، وعندما يكون عمل الجمعيات الخيرية عملاً احترافياً وشفافاً وتحت مظلة رسمية فذلك يجعل التبرعات والمساعدات والزكاة تتدفق إلى الجمعيات من المتبرعين بدلاً من قيامهم بهذا الدور.

إن تطوير منظومة الحماية الاجتماعية من شأنه تقليل الأثار الاقتصادية على المواطنين تحت أي ظرف، كما أن برنامج ساند الذي ساهم في حماية موظفي القطاع الخاص خلال أزمة كورونا قد يكون من المناسب تحويله إلى مظلة وزارة الموارد البشرية ودمجه مع البرامج الأخرى التي تساعد المتعطلين والباحثين عن العمل.