حكم بيريل هاول، قاضي المحكمة الجزئية في العاصمة الأميركية واشنطن، الأسبوع الماضي بتغريم النظام الإيراني بمبلغ قيمته 879 مليون دولار يجب أن تدفعها إيران لضحايا تفجيرات الخبر في العام 1996 والتي أسفرت عن مقتل 19 جنديا أميركيا و372 شخصا آخرين.

وقال أدورا سامي، محامي المدّعين في المحكمة إن العدالة لم تنس هؤلاء المحاربين القدامى الشجعان وعائلاتهم الذين عانوا ويعانون حتى اليوم من جراء الهجمات الإرهابية التي خطط لها النظام الإيراني مضيفاً «بعد مرور أكثر من عقدين من الزمن على التفجير الإرهابي كان من الضروري أن تتوصل المحكمة إلى قرار إجبار إيران على دفع ما بين 3 إلى 7 ملايين دولار لكل من الضحايا أو عائلاتهم.»

وذكر المحامي أن القضية لن تقف عند حد تغريم إيران بالمبلغ المذكور، بل ستستمر التحقيقات إلى حين التأكد من إلقاء القبض كل أعمدة النظام الإيراني الذين خططوا ونفذوا هذا الهجوم مع التأكد بعدم وجود خط عودة أو تصالح مع هذه الرموز الإرهابية.

يقول توماس ماتيير، مدير مجلس سياسات الشرق الأوسط، لجريدة «الرياض» إن تفجيرات الخبر في العام 1996 لم تكن حدثا عابرا بل كانت حدثا جذريا مهما فتح عيون الأميركيين والعالم على أهداف واستراتيجيات النظام الإيراني وطبيعة سلوكه الإرهابي، فإيران متورطة في هذا التفجير بالتنسيق المشترك عن كثب مع تنظيم القاعدة، لتمثل هذه الحادثة طبيعة النظام الإيراني الإجرامية وطريقة استهدافه للأمنين القوميين السعودي والأميركي كهدف مشترك لتكون العملية دافعاً جديداً وسبباً آخر لتعزيز العلاقة مع الرياض التي بقيت أهم حلفائنا الاستراتيجيين في المنطقة منذ عقود على اختلاف الظروف والتحديات.

ويحكي ماتيير لـ»الرياض» عن ملابسات تفجير الخبر التي كانت صادمة للجميع، ففي البادية كان من غير الواضح أن إيران هي من خطط لهذا التفجير عبر شخصيات موالية لحزب الله وعلى صلات بتنظيم القاعدة في نفس الوقت، فإيران وفي عهد الرئيس بيل كلينتون وبعد أن فاز خاتمي في الانتخابات، وتوجه أميركا لرفع بعض العقوبات عن صادرات إيران من السجاد والكافيار، كانت تحاول من خلال رئيسها الجديد خاتمي تخفيف الضغوطات الغربية عليها، لتتظاهر إيران حتى العام 1999 بأنها مهتمة أيضاً بالتعاون للكشف عن منفذي تفجيرات الخبر، حتى أن تقارير أميركية بدأت تشير إلى أن إيران في تلك الفترة خففت أو بدأت بإخفاء دعمها العلني لخلايا مقربة من حزب الله في دول خليجية لأنها كانت تعرف مدى الضرر الذي سيلحق بها إذا انكشف أمر تفجيرات الخبر.

ويقول ماتيير، في تلك الفترة كان اهتمام خاتمي منصب على إخراج إيران من دائرة العقوبات، حيث ظهر خاتمي في مقابلة لقناة سي إن إن الأميركية في العام 1998 ودان فيها الإرهاب وأعرب عن اقتناع إيران بضرورة محاربة كل أنواع الإرهاب، كما أنه تخلى عن الشعارات الشعبوية المتعلقة بتحرير القدس فقال لـ»سي إن إن» إن إيران تقبل بأي حل يقبل به الفلسطينيون، وكان الحل المطروح والذي وافقت عليه الحكومة الفلسطينية آنذاك هو حل الدولتين وبحسب ماتيير فإن اللين الذي كانت تبديه إيران في تلك الفترة كان مدفوعا برغبة شديدة بالتقارب مع الولايات المتحدة والأوروبيين حيث كانت إسرائيل هي أكثر من يضغط على الولايات المتحدة وأوروبا لتطبيق عقوبات مشددة على إيران.

ويحكي ماتيير عن أحداث العام 2000 في لبنان، حيث يدّعي حزب الله أن هذا العام حمل انتصار حزب الله «الوحيد» على إسرائيل، فيقول ماتيير إنه في ذلك العام لم ينتصر حزب الله بالقتال والبطولات، بل على العكس، كانت إيران في ذلك العام تحث حزب الله والنظام السوري على التهدئة مع إسرائيل خوفاً من العقوبات على إيران، إلا أن الجناح المتشدد في إسرائيل والذي يمثله بنيامين نتنياهو خسر في الانتخابات الإسرائيلية في العام 1999، فقرر إيهود باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، الانسحاب من جنوب لبنان لدواعي سياسية مرتبطة بمصالح إسرائيل.

ويشير ماتيير، إلى أنه في العام 2006 بدأت تتكشف بوضوح البصمات الإيرانية بالتشارك مع تنظيم القاعدة في هجمات الخبر حيث كتب ضابت الاستخبارات المركزية الأميركي، لويس فريح، في مقال في صحيفة الوول ستريت جورنال، قراءته لتفجيرات الخبر كاشفا عن أدلة تثبت تورط إيران في هذه الهجمات، كما انتقد فريح في مقاله عدم ذهاب إدارة بيل كلينتون بعيداً في التوسع في التحقيق حول دوافع وحقيقة التفجير ليغيب الدور الإيراني عن التحقيقات في الفترة الأولى.

كما كان مقال الضابط لويس فريح، الذي كشف عن صالات إيران بالتفجير قد وجه انتقاداً لوزير الدفاع الأميركي الذي شغل هذا المنصب في العام 2007 في إدارة كلينتون حيث كان بيري قد أدلى بشهادة غير دقيقة للكونغرس فأخبرهم بأن أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة كانوا العقل المدبّر للتفجير، بينما كانت إيران وقادة إيرانيين داعمين لحزب الله هم العقل المدبر والمخطط الأساسي للتفجير الذي تم تنفيذه لاحقاً بالتعاون مع عناصر موالية لتنظيم القاعدة.

ويضيف، تشرح هذه الحداثة واستمرار الولايات المتحدة بمحاكمة القادة الإيرانيين المتورطين في هذه الهجمات المسار الأميركي التاريخي تجاه النظام الإيراني، حيث اعتمد النظام الإيراني على شن الهجمات الإرهابية والتعاون مع المنظمات الإرهابية والأنظمة الداعمة للإرهاب ولذلك نرى الولايات المتحدة تفهم قلق السعودية وتسعى بكل الوسائل إلى الاستمرار بعزل النظام الإيراني وحرمانه من الموارد وعدم الاكتفاء بمنعه من الحصول على سلاح نووي بل نرى مؤخرا أن الحروب بالوكالة التي تخوضها إيران في اليمن وسورية والعراق على الطاولة في الاستراتيجيات الأميركية الحالية تجاه إيران.