هذا العام لن تتاح الفرصة للجميع للقيام برحلة الصيف المعتادة، وسيفهم من كان يرى أن تلك الرحلة جزءاً أساسياً من الحياة أنها مجرد أوهام، خصوصا إذا كانت رحلة الصيف من أجل المتعة والترفيه فقط وليس من أجل التعلم والاكتشاف..

في هذا الوقت من كل عام عادة ما أقوم بالكتابة حول الأمكنة التي أزورها أثناء الصيف، العلاقة مع المكان وساكنيه هي جزء من التجربة الإنسانية لأي واحد منا، في الصيف على وجه الخصوص يتصاعد هذا التوق لسبر الأمكنة والتعرف عليها ويمثل هذا جزءا من ثقافة الترويح أو الترفيه أو السياحة الصيفية، ورغم أنني أشعر بقيمة المكان وبناء علاقة عميقة معه من خلال التعرف على بنيته الثقافية، إلا أن فكرة السياحة الصيفية التي يراها البعض مسألة أساسية ويتنافسون على الوصول إلى المحطات والأمكنة المتكررة التي سبق اكتشافها من قبل، ويدفعون من أجل ذلك مبالغ طائلة هو ما لفت نظري في عصر كورونا.

هذا العام لن تتاح الفرصة للجميع للقيام برحلة الصيف المعتادة، وسيفهم من كان يرى أن تلك الرحلة جزءا أساسيا من الحياة هي مجرد أوهام، خصوصا إذا كانت رحلة الصيف من أجل المتعة والترفيه فقط وليس من أجل التعلم والاكتشاف.

أحد الفرص المهمة هي اكتشاف المكان المحلي، خيار السفر للخارج لم يعد متاحا لكن تبقى الأمكنة الخلابة الفسيفسائية التي تتمتع بها طبوغرافية المملكة ملاذا مهما لمن يبحث عن متعة الاكتشاف، من الأشياء المثيرة والملفتة أن كثيرا من المواطنين السعوديين لم يتعرفوا بعد على ما تزخر به بلادهم من جغرافيا عبقرية، عندما أقول جغرافيا أقصد المكان والناس واللهجات والمطبخ المحلي والتاريخ والأساطير المحلية. في اعتقادي أن كورونا قد يحث كثيرا من الشباب والأسر السعودية على فضول الاكتشاف، وقد يدفعهم بشكل أو بآخر إلى تلمس عبقرية الأمكنة التي تضج بها بلادنا، في كثير من الأحيان صناعة الخيارات المحلية أمام السائح تعتبر خطوة أساسية في نجاح السياحة المحلية، على أنني أتحدث هنا عن محفزات المعرفة الثقافية المرتبطة بالمكان التي هي جزء من المتعة الشاملة التي يشعر بها الزائر، وأرى أن كورونا يتيح هذه الفرص هذا العام والتي قد تصنع ثقافة سياحية محلية مختلفة جدا في المستقبل.

ولكن هل الأمكنة السعودية تستطيع أن تقدم إمكاناتها بيسر وسهولة؟ في الأيام الأخيرة لاحظنا الازدحام الشديد في منطقة عسير والباحة وجبال السراة بشكل عام، الكل يشتكي من البنية التحتية من عدم رحابة الاستقبال وصعوبة الوصول إلى المطبخ المحلي، وعدم وجود فرص سانحة تساعد على الاكتشاف والتعرف على الأمكنة. الغريب أنه بعد كل هذه السنوات لم نستطع أن نصل إلى مفهوم المحطة السياحية، ويبدو أن الوصول إلى هذا المفهوم يتطلب تغييرا في العقل المحلي نحو السياحة، في كثير من الدول التي قمت بزيارتها في الأعوام الأخيرة، وكانت زيارات هدفها دراسة البنية السياحية المحلية، لاحظت أن نجاح السياحة المحلية يبدأ من القاعدة إلى رأس الهرم وليس العكس، مما يعني أن المواطن يجب أن يكون هو المحرك للسياحة والصانع للمحطة السياحية المحلية من خلال تقديم ما يملك من ثقافة محلية ذات خصوصية، وأن يتعود على استقبال السياح المواطنين وغير المواطنين ويتيح لهم فرصة التعرف على المكان من خلال عينيه.

في جانب آخر المؤسسات الرسمية مقصرة جدا في تقديم الأمكنة السعودية للمواطن أولا وللعالم ثانيا، ما يشعرني بالاستغراب أن التركيز هو على البرامج بدلا من بناء ثقافة السياحة المحلية، لا أنكر أن البرامج مهمة وقد تساعد في تطوير البنية التحتية السياحية إلا أن بناء الثقافة السياحية المحلية أكثر استدامه وأكثر بقاء، ففي جوهرها تكمن نواة الثقافة المحلية ومن خلالها يتشكل الجسر بين المكان المحلي وبين زواره، قد يكون التحدي هو كيف نعمل على تطوير ثقافة السياحة وبنيتها التحتية في نفس الوقت وأن نعمل على خلق فرص جديدة للأمكنة في السعودية أن تقدم مخزونها الجمالي والثقافي.

الفرصة التي يقدمها كورونا كانت تحتاج إلى استعداد مبكر فطالما كانت مطالباتنا بالتركيز على السياحة المحلية والتقليل من الهدر المالي الذي تسببه السياحة الخارجية ورغم أن الفرصة متاحة حتى الآن إلا أن القدرات المحلية غير جاهزة والإشكالية أن هذه القدرات ظلت على الدوام غير جاهزة، مما يعني وجود خلل يستحق الدراسة والتشخيص ووضع حلول له.

بعض الأزمات قد تتفتح عيوننا على مجالات النقص الكبيرة التي يفترض أن نضعها في حساب تخطيطنا المستقبلي منها السياحة المحلية التي تمتلك كل عناصر النجاح، ولكنها لا تستطيع أن تحقق هذا النجاح لكونها تعاني على مستوى المجتمعات المحلية، وعلى مستوى المؤسسات الرسمية.