فيلم من جورجيا. شاهدته على النتفليكس، هذه إحدى مزايا النتفلكس، وسط ركام الآلاف من أفلام الحركة أو الرومانس، تكتشف فجأة فيلماً لم يحدثك عنه أحد، لم تقرأ عنه ولا تعرف أساساً أن هناك سينما في جورجيا. ولأنك تعبت من مشاهدة الدماء والقتل أو الضحك الذي لا يضحك، تقرر أن تغامر وتشاهد فيلماً جذبك عنوانه والبوستر الذي يحمل صورة امرأة خمسينية ذات ملامح عادية.

بساطة البوستر تنعكس على كامل الفيلم. تشدك هذه البساطة، وتشاهد فيلماً يحكي عن عائلة من الطبقة المتوسطة، الأم معلمة في منتصف العمر، يعيش معها والداها وزوجها وأبناؤها، وهي تقرر أنها ليست سعيدة في هذه الحياة فتستأجر شقة وتقرر الانتقال وترك عائلتها. ليس هناك تفسير، لا يوجد خلافات واضحة، أو سبب واضح يجعلها تفعل ذلك، الأسرة تحتار وتتساءل، وتتخذ ردود أفعال مختلفة. هذه هي الحكاية، أما التفاصيل، فهي التي تجعلك مستمتعاً، حيث تتعرف على المجتمع الجورجي، تفهم بعض عاداتهم، يأسرك جو الفيلم الذي تشعر معه أنك تعيش معهم وتفهم مشكلاتهم، مهما اختلفت عاداتك عن عاداتهم، هناك أمر إنساني مشترك، وهناك أيضاً تشابه في بعض المفاهيم.

مخرجا الفيلم نانا ايكفتيميشفيلي وهي كاتبة ومخرجة، وسيمون غروس، أيضاً كاتب ومخرج. وقد عملاً معاً في فيلم آخر عام 2013 ونال الفيلم العديد من الجوائز. هذا الفيلم تم صنعه العام 2017 وهو أيضاً حصل على الكثير من التقييمات الجيدة لدى نقاد السينما.

الفيلم يعرض الحياة الاجتماعية في جورجيا وتكتشف من خلاله أن المرأة هناك حالها يشبه الكثير من حال المرأة في بلدان العالم الثالث. وأن العائلة الكبيرة التي تعيش في بيت واحد أمر غير مستهجن أو غريب. لكن في ذات الوقت أن يحضر الابن فتاة حامل ويخبر أهله أنه تزوجها ويعيش معهم ويستقبلونها بكل ترحاب، أيضاً أمر غير مستهجن لديهم. حين تنتقل المرأة إلى شقة خاصة بها، يغضب أخوها، ويستنكر الموضوع ويسألها ماذا سيقول الناس عنه، وتقول له أنت لست مسؤولاً عني، عش حياتك ودعني أعيش حياتي، وينتهي الموقف بدون شد شعر أو كفوف. لكنه يوصي أهالي الحارة أن يراقبوها.

من مشهد لآخر أشعر أن مجتمعهم يشبهنا، لكن في المشهد الذي يليه، أدرك أن هناك اختلافاً هائلاً.

فيلم عن المرأة ومعاناتها حتى وإن كانت تبدو بدون معاناة، فيلم يجعلك تفهم أن الحياة التي تبدو عادية وخالية من المشكلات، لا تعني أنها خالية فعلا من المشكلات.

فيلم ممتع، مختلف لأنه يركز على المشاعر وردود الأفعال بدون ميلودراما. هذه هي نوعية الأفلام التي أحب.