نشرت إحدى المجلات العلمية الدولية المتخصصة في مجال علم النفس (مجلة طبيعة السلوك الإنساني) دراسة مهمة قام بها مجموعة من العلماء حول دوافع السلوك الإرهابي أو (إرادة القتال) لدى الإرهابيين، الدراسة لم تعتمد على الكتابات النظرية في الموضوع، ولكن على مقابلات شخصية مباشرة أتيح لهؤلاء العلماء القيام بها مع مجموعة من الإرهابيين، ومن خلال هذه المقابلات قاموا بتطبيق مناهج وأساليب البحث العلمي في التعرف على دوافع هؤلاء الإرهابيين.

وقد خلصت الدراسة لثلاث نتائج مهمة، أولاها أن دافع الإرهابي لا يرتبط بمنطق المكسب والخسارة الذي يقوم به أي شخص رشيد، أو بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولكن الدافع الرئيسي يرتبط بمجموعة من الأفكار، التي يؤمن بها الإرهابي ويعتبرها (مقدسة)، ويكون على استعداد لتقديم أي تضحيات في مقابل هذه الأفكار والقيم، سواء التضحية بحياته أو بعلاقته مع أسرته.. إلخ. والنتيجة الثانية هي أن (الجماعة) أو (التنظيم) الذي ينتمي إليه الإرهابي له أهميته باعتباره الكيان الذي يضم أفراداً آخرين يؤمنون بنفس الأفكار، ولكن في النهاية فإن الأفكار لها أولوية على (الجماعة) لدى الإرهابي. أما النتيجة الثالثة فتتعلق بأن هذه الأفكار والقيم الروحية التي يؤمن بها الإرهابي تجعله يعتقد أنه يملك قوة أكبر من القوة المادية التي تملكها الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية.

النتائج السابقة توضح أهمية حرب الأفكار ومعركة العقول في التعامل مع ظاهرة الإرهاب، وأن الإرهاب هو بالأساس فكرة أو عقيدة تمثل الدافع الأساسي لسلوك الإرهابي، معركة العقول هذه تتطلب أيضاً إتاحة الفرصة (لعقول العلماء) لدراسة وتحليل الظاهرة الإرهابية، وتقديم توصيات بشأنها تسهم في التعامل الأفضل مع الإرهاب، والعديد من دول العالم شجعت وساندت إنشاء مراكز علمية لدراسة الظاهرة الإرهابية، وزودت باحثيها بما لديها من معلومات وقدمت لهم التسهيلات التي تساعد على التحليل الموضوعي وتقديم التوصيات لصانع القرار للتعامل مع الإرهاب.

من الضروري أيضاً أن تكون هناك آلية أو جهة ما تقوم ببلورة الرسائل الإعلامية المضادة للإرهاب، وألا يترك هذا الأمر للهواة أو الاجتهاد الشخصي فقط، أو يكون خاضعاً لاعتبارات موسمية ترتبط بالأحداث الإرهابية الكبرى، بل لا بد أن يكون عملاً مستمراً ومتواصلاً، وقد شاهدنا كيف تقوم المنظمات الإرهابية بإصدار منتج إعلامي واحد على الأقل يومياً، وهناك العديد من التجارب الدولية التي يمكن الاستفادة منها في هذا الصدد.

الإرهاب ظاهرة معقدة لكنها تحتاج علماء السياسة والاجتماع والنفس والاقتصاد والإعلام وغيرهم لفهمها (وليس تبريرها)، ووضع توصيات لمواجهته، ودون ذلك سنظل نعتمد على الانطباعات أكثر من التحليل العلمي في فهم هذه الظاهرة، معركة العقول ليست بديلاً عن معركة السلاح ومعركة القانون في مواجهة الإرهاب، بل مكملة لهما، والسعودية تملك ثروة من العلماء القادرين على تصويب ما يدور بالعقل الإرهابي وتطوير بديل فكري لمعتقدات التشدد، وكذلك تحليل ظاهرة الإرهاب ووضع توصيات لمواجهتها، ولكن مساندة الدولة ضرورية للقيام بهذا الدور العلمي والوطني.