رغم الاندلاع المتعدد للسيد كورونا ببقاع مختلفة من العالم إلا أننا نشهد أسبوعًا آخر من الانحسار التدريجي للأضواء عن الكورونا، والتي يبدو أنها قد فقدت البطولة المطلقة في وسائل الإعلام مؤخراً، وربما الكورونا قد فهمت الآن مأزق الشهرة وأن على الفيروس أن يجدد حبكته وإلا فقد جمهوره، اللمعان يكلف غالياً، درس بسيط يتعلمه السيد كورونا، حيث نشهد تعدد البطولات الآن لأخطار جديدة ربما ساعدت الكورونا في إبرازها ووضعها في قائمة هموم البشر، نشهد برامج ومواقع تنبش في هموم البشر، وتتعدد الأصوات التي تشتكي المسار الذي سلكته البشرية خصوصاً في العقد الأخير من تاريخها، فإلى جانب الأصوات المهتمة بالبيئة والمناخ وتداعياتها المهددة لبقاء الجنس البشرى على سطح كوكب الأرض هناك أصوات تحذر من دخول البشرية لمأزق الآلة، وإمكانية استئثار الآلة بالسيادة وإخضاعها للبشر لعبودية جديدة، العبودية الرقمية (digital slavery). ومن هؤلاء عالم الاقتصاد الفرنسي والمحاضر بمدرسة باريس الاقتصادية من أصل تونسي «دانييل كويين Daniel Cohen « من مواليد عام 1953 بتونس، والذي يدرس ظاهرة احتلال الآلة جزءا كبيرا من أدمغة البشر، بما في ذلك الهواتف الذكية والحواسيب والمتصلة بعقل كلي هو شبكة الانترنت، وشبكة المعلومات التي تكونها تلك العقول الصناعية الذكية «artificial Intelligence « عن كل فرد منا، وأننا نتحول تدريجياً لأرقام في تلك العقول أو «العالم اللوغاريتمي»، والذي يكون عنا صورة كاملة، يعرف توجهاتنا وأذواقنا والمادة الفكرية التي تجذبنا، حيث يتحول كل شخص منا لملف في تلك الدهاليز اللوغاريتمية، بحيث تستطيع تلك العقول الصناعية التدخل لتوجيهنا وتغذيتنا بما تشاء بحيث تتحكم في قرارتنا، وتدريجياً ينتقل القرار من أيدينا ليصبح بيد تلك العقول.

ويحيلنا عالم الاقتصاد دانييل للعبودية التي خضع لها البشر نتيجة للثورة الصناعية، والتي حولت الإنسان لمثل فأر الهمبستر المحبوس في دائرة أعمل أكثر تكسب أكثر، فصارت حياة الإنسان حلقة من العمل والنوم إنهاكًا، حلقة مفرغة تستهلك الشباب، ويشبه دانييل تلك العبودية بما يحدث الآن من عبودية للآلة، حيث تهيمن على الفرد منا شاشة هاتفه أو حاسوبه، يغرق فيها منفصلاً عن العالم الواقعي حوله، ويستمر يغرق فيما تقدمه له تلك العقول الصناعية من مواد ترفيهية أو فكرية أو توجهات جديدة، وتبقيه شبه مخدر خاضعاً لسلطانها.

دانييل كويين يتميز في طروحاته ونظرياته الاقتصادية التي أهلته لحصد جوائز دولية عديدة، مثل وسام الفارس للتميز في فرنسا، والجائزة الأوروبية للاقتصاد عام 2000، ولقد نجحت كتبه في لفت الأنظار لوهم ثراء العالم وتعميم ثرواته مثل كتابه الشهير «مصائب الازدهار 1994» من منشورات دار جوليارد، أو كتابه «ثروة العالم، فقر الأمم 1997» من منشورات دار فلاماريون. 

وآخر كتبه يثير جدلاً ويحمل عنوان «لا بد وأن نعترف بأن العالم قد تغير il faut dire que le monde a changé «، والذي خرج للمكتبات مؤخراً ويبشر بترسخ عبودية البشر في المجتمعات الرقمية، ويقصد بالمجتمع الرقمي المجتمع الذي فيه اللوغاريتم هو السيد صاحب كل القرارات، بينما الفرد مجرد رقم ضمن أرقام خاضعة، ويصبح مثل كتاب مفتوح للآلات التي تقرؤه من الداخل، وهنا يستشهد بالفيلم السينمائي «هي her» الذي يقع فيه البطل في حب برنامج كمبيوتر يفهمه أكثر من كل نساء الأرض، وينتهي الأمر بأن يمله ذلك البرنامج ويهجره واقعاً في حب برنامج ذكي مثله، وهو أمر متوقع لمحدودية البشر قياساً بذكاء الآلة.. «كتاب يستحق الاطلاع».