نصادف في مجال الاستشارات الاجتماعية تشوّهاً كبيراً في مفهوم العلاقات الاجتماعية، سواء من الرجال أو النساء، أو من الكبار والصغار، فتتداخل الأدوار ويحتل البعض مكانة ليست له، والبعض يتنازل عن مكانته الأساسية لمن لا يستحق بسبب الفراغ الاجتماعي داخل الأسرة، وهنا تنشأ المشكلات والصراعات التي تقود للطلاق والتفكك والقطيعة، لذلك نلجأ من جديد لتوضيح أبجديات العلاقات الاجتماعية وتحديد الأدوار والحدود ومن ثم ننتقل لحل المشكلات.

العلاقات الاجتماعية هي ما ينشأ بين أفراد المجتمع من روابط وأثر متبادل للمشاعر والمكنونات والمعنويّات وعلاقاتهم ببعضهم البعض، وذلك من حيث القرابة والصداقة والحبّ ونحو ذلك، وتكون إمّا مؤقتة أو محدودة أو مستمرّة مع الزمن، وقد تأخذ أشكالاً وأنواعاً مختلفة كالعلاقات الأولية، التي تشمل أفراد الأسرة والأقارب والجيران والأصدقاء وتعتمد على الشفافية والمباشرة والعمق والحريّة، فيما تكون الثانوية منها سطحية أو شكلية لا تتعدى الحدود الرسمية أو الإجبارية وهي علاقات مؤقتة.

اختلاف الطبع لدى النفوس البشرية أدى إلى اختلاف أساليب التعامل من شخص لآخر، وقد لا يُعجب أحد الأفراد الأسلوب الذي قد يتبعه شخص آخر في حياته وتعامله مع الآخرين، لذا يحتاج الشخص إلى بعض الحكمة في طريقة تعامله مع الآخرين، فبعد أن يُحلل شخصية من يتعامل معه ينبغي اتباع بعض الأساليب الفاعلة والإيجابية، مثل الحرص على التنويع ما بين اللين والشدّة أثناء الحديث مع الآخرين، وهو ما يدفع الآخرين إلى رؤية ذلك الأمر من باب الحكمة والقوّة. والحرص على عدم المبالغة بإظهار المشاعر والعواطف. والحرص على الليونة في تقبل الآخرين والمسايرة في بعض الأحيان وعدمها في الحين الآخر.

ومن أساليب المعاملة الإيجابية الحرص على المعاملة اللطيفة والناضجة من خلال الشعور بمعاناة الآخرين والوقوف إلى جانبهم في السّراء والضّراء، والمحافظة على الابتسامة اللطيفة التي قد يرسم مفعولها أثراً في القلوب، والحرص على تنظيم الوقت وعدم المبالغة في الأوقات التي قد يوفّرها المرء عند مقابلة الناس، واعتماد وقت قصير للظهور بالشكل الأمثل.

يحرص البعض على رفع مستوى كفاءته في كيفية التعامل مع الآخرين؛ الأمر الذي يعُد مطلباً اجتماعياً لازماً ولكنه قد يفقد سيطرته على زمامِ الأمور ويتعدى على حدود الآخرين، لذلك هناك حدود للعلاقات الاجتماعيّة أولها الخصوصيّة؛ فمن يحترم ذاته يعرف حدوده عند خصوصيّة الآخرين، فلكل منّا أشياء لا يُحب مشاركتها مع الآخرين، ويتحتم على الآخرين احترام ذلك. وثاني هذه الحدود هي الاستقلاليّة؛ كل شخص يحمل رأياً أو اعتقاداً سليماً كان أم خاطئاً لا يُجيز له أن يجبر الآخرين على تقبّل رأيه، وعليه أن يتقبّل ما قد يُشاركه الآخرون من أفكار. وثالث الحدود هي المسؤوليّة؛ فلكل إنسان في تصرّفاته تبعيّاتٌ تلاحقها، وعليه أن يحمل عبء هذه التبعيّات ولا يلقي بها على الآخرين.

يقول نجيب محفوظ: الثقافة أن تعرف نفسك، أن تعرف الناس، أن تعرف الأشياء والعلاقات، ونتيجة لذلك ستحسن التصرف فيما يلم بك من أطوار الحياة.