عام مضى وطويت صفحته من العهد الميمون لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وإبان تلك الحقبة القصيرة من عمر الزمن شهد الوطن والمواطن نقلات نوعية؛ ومكرمات سخية، تمثلت ابتداءً في ميزانية الخير؛ التي تفيأ المواطنون ظلالها، ووردوا ماءها، تلك الميزانية المباركة التي لم تكن حكراً على أحد دون أحد، أو بلد عن بلد، بل الكل فيها شركاء والقسمة بينهم سواء. وكانت التوجيهات الملكية الصريحة بأن ليس لأحد من المسؤولين وبالأخص الوزراء عذر بعد اليوم. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل أصبح الإخوة الوزراء كأفراس الرهان في الميدان؟ ولسان حالهم كما قال الأول:

إذا هبت رياحك فاغتنمها

فإن لكل عاصفة سكون

وأنى لهم العذر وقد كان العائق المالي هو الهاجس الأساس والعقبة الكأداء أمام كل مشروع فها هو قد ولى وانتهى وأصبح الإنجاز على أرض الواقع هو الفيصل والحكم.

إن المشاهد والواقع يحكي أن ثمة تحركات ومشروعات في كافة المرافق مع تفاوت جلي بين كل قطاع وآخر؛ لكنها في مجملها ليست على المستوى المأمول.

لقد كان المتوقع أن يشهد المواطن نهضة تنموية شاملة وبالأخص المشاريع ذات البنية التحتية، خاصة في المدن الصغيرة والقرى قبل المدن الكبرى. ولكن! ولكن لا زال المواطن ينتظر ويؤمل، والمسؤول يعد ويمني - وإن غداً لناظره قريب .

وإن كان من تلميح فهو بالتخلص ما أمكن من البيروقراطية المقيتة التي ضربت بجرانها في ردهات وزاراتنا وإداراتنا، وكان كل مسؤول يفاخر بها، ولسان حاله قبل مقاله: أنا لها.

ولعلي أشير إلى مثالين يحكيان التأخير في تفعيل الأوامر والتوجيهات السامية الكريمة.

أولهما: التوجيه الكريم بترسيم من يشغل وظيفة على بند الأجور؛ والواقع أنه لا زال فئة من الموظفين على قائمة الانتظار، وتمضي السنون تلو السنين وهم يكدحون براتب مقطوع.

وثانيهما: العفو الملكي الكريم عن فئات من السجناء، وكذا السداد عن من عليه حقوق مالية من المواطنين والمقيمين. أما الشق الأول فقد تحقق وخرجت أفواج من المساجين وألسنتهم تلهج بالدعاء لولي الأمر - حفظه الله - ولكن بيت القصيد وهو السداد عن السجناء والموقوفين لم يتحقق بعد - حسب علمي - ولا زال الغرماء في غياهب السجون. ومع أن الله عز وجل أمر بالأنظار إلى حال الأيسار {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} ومع أن ولي الأمر قد وجه التوجيه الصريح بالسداد، إلا أن الجهات المخولة لم تتجاوب كما ينبغي.

ومن الغرائب أن النظام يسمح بإطلاق السجين إذا أحضر كفيلاً غارماً، فكيف إذا كان الكفيل هو ولي الأمر - أعزه الله - أليس هذا مخولاً بإطلاق سراحهم إلى حين إثبات الديون وإحصائها واكتمال الإجراءات النظامية المتعلقة بالصرف؟ ثم إن بقاء السجين الذي هذا حاله في سجنه فيه ضرر عليه ومفسدة على أسرته وخسارة على الدولة بكلفة مؤونته.

ومع أن التوجيهات قد نصت على الالتزام بالوفاء عن أولئك الغرماء بغض النظر عن مجموع تلك الديون بالغة ما بلغ، إنه في تصوري أن مجموعها ليس بالأرقام الكبيرة.

والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه من المسؤول عن عدم التنفيذ؟! ومن المستفيد من بقاء السجين الغارم خلف القضبان؟! من أطفأ شمعة الفرحة والبهجة وصادر البسمة عن أفواه أسر الغرماء؟!

وأخيراً أذكر مختتماً بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من نفَّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه».

والله ولي التوفيق.

٭ عضو مجلس الشورى