لتشبيهاتنا التي نستعملها في حياتنا عموماً أثرها في نفس المتلقي. وقد اتفق البلاغيون والنقاد على أهمية التشبيه, وشرف قدره, وفخامة أمره, وأن تعقيب المعاني به يضاعف تحريك النفوس إلى المقصود به, سواء أكان ذلك في مقام المدح, أو الذم, أو الافتخار, أو غيره من الأغراض والموضوعات التي قد تكون مقاماً للتشبيه.

غير أننا نغفل أحياناً عن أهمية المقام, وقيمة المخاطب في معرض تشبيهاتنا؛ وقد عابوا قديماً على بعض الشعراء الذي لم يوفقوا في تشبيهاتهم, ولم يراعوا مقاماً, ولم يتفطنوا لعالم المخاطب؛ ذلك العالم الذي ينطوي على التأويل, والتخييل. وهدف التشبيه وغايته إنما هو التأثير, وتحريك العواطف, وإثارة المشاعر؛ ومن ثم يحقق التشبيه غاياته من التأثير, والإقناع؛ فالتأثير يحدث منذ الوهلة الأولى, ومن ثم تأتي النتيجة وهي الاقتناع.

إن أي شيء يعكّر صفو التشبيه, أو يخدش قيمته, ينعكس ذلك مباشرة على (التأثير) و(الإقناع) حتى إن كان التشبيه محققاً للمعنى, وهنا يمكن أن نخالف بعض النقاد قديماً, وبخاصة الذين كانوا يرون في أن التشبيه إذا أعقب المعنى ضاعف تحريك النفوس نحو المقصود. هنا نقول: ليس الهدف من التشبيه بُعده, أو قربه من المعنى المراد, بل الأهم هو رضا المتلقي؛ فإذا كانت درجة التشبيه سلبية انعطف المعنى بالمخاطب إلى ما لم يكن يرجوه, وعندئذ تصبح قيمة التشبيه هشة, وضعيفة. إذن نحن نتطلع في التشبيه إلى تحقيق الدرجة الإيجابية, وهي أن يكون المقام متوافقاً, والمخاطب متأثراً, إيجاباً, وليس سلباً؛ بمعنى أن يكون هذا التأثير محققاً لدواعي السرور, وأقصى درجات الإرضاء.

كنتُ أطالعُ كتاباً من كتب تطوير الذات, فاستغربتُ حين قرأت ذلك التشبيه الذي وضعه المؤلف على غلافه. يقول: «القادة كأكياس الشاي, فعندما تضعهم في المواقف الساخنة فقط تعرف مدى قوتهم الحقيقية» قلت: هذا التشبيه يكشف عن معنى طريف, ويثير في النفس شعوراً, غير أن درجته سلبية؛ فقد فتح لتأويل الآخرين فرصة التهكم والسخرية؛ عندما جعل مخاطبه (كيساً من الشاي) يسيح في الماء, ثم ينكمش فيُرمى.

إن التشبيه الإيجابي المؤثر لا بد أن تراعى فيه القيمة التداولية؛ فليس الهدف إطلاق التشبيه وحده, أو تحقق وجه الشبه بأي طريق كانت, وإنما المهم في التشبيه أن يلامس وجدان المتلقي بلون من التأثر الإيجابي؛ لهذا فقولنا لبعضنا عن أي شيء حسن هو «مثل وجهك» لن يحقق تأثراً إيجابياً مهما كان المخاطب جميل الوجه؛ لأنهم اعتادوا على أن يطلق هذا التشبيه في المقامات المستقبحة, كما يمدحون كثير الشغل والتحمل بقولهم «حمار مكده» إن مثل هذه التشبيهات وإن حققت بعض المقاصد, غير أنها قد تُحمد في مواضع, وتذم في أخرى؛ وفي هذا دليل على أهمية الجانب التداولي في التشبيه.