يظنّ بعض المعجبين بروائيين مثل ربيع جابر - وهو روائي جيد، بل أفضل روائي عربي حيّ في نظري - أن مهارته الإبداعية متعلقة بالقدرة على البحث والتوثيق، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه ينبني على تصور خاطئ منهم لموضع صناعة الرواية وإكسيرها، فيتوهمون أن المعمل والإكسير يوجدان خارج الكائن الروائي المؤلف، بيد أن الحقيقة مغايرة لذلك.

نعم، قد تساعد المؤلف معلوماته الواردة إليه من الخارج على التخيل، مثلما تساعدك معلومةُ أن في العالم ذكراً وأنثى ونهراً وأسماكاً وقمراً وزورقاً وثقوباً وصخوراً وحياة وموتاً وغرقاً، تساعدك على أن تكتب عن قصة تتخيلها عن عاشقين ماتا غرقا في النهر تحت ضوء القمر عندما اصطدم زورقهما بصخرة، وأن الأسماك التي التهمت جثتيهما طفَتْ بِدورها على النهر ميتة بعد يومين، بسبب أنها لم تستطع احتمال جرعة الحبّ التي انتقلت إليها من أوصال الغريقين؛ فانفجرت قلوبها وعلَتْ جثثها على سطح الماء.

بهذه الصورة فحسب يمكن أن يكون للبحث والتوثيق فائدة في تكوين الرواية، أي: في تكوين معلومةٍ أوليّةٍ تُختزن في ذاكرة المؤلف، مثل أي معلومة أخرى اختزنتها ذاكرته: كأنّ الماء بارد، والقمر منير، وأن القوارب الخشبية قابلة للانخراق، وأن الأسماك قد تطفو إذا ماتت.

فمثلاً في رواية جابر التي سماها: «كنت أميراً»، نعلم أن الضفادع تغلق أعينها في لحظة القفز، وأن ذيولها تختفي في الجسم بعد نموّها، وأشياء من هذا القبيل. لكن من الخطأ أن نتصور أن معرفة هذه الأشياء هي التي مكّنت الروائيّ من صناعة عمله الإبداعي؛ فالروائي ليس في حاجة إلى موسوعة للحيوان ليتخلق من تشبّعه بها خياله الإبداعي، وإننا إذا قبلنا هذه الدعوى فإنها ستحول جميع الروائيين إلى باحثين، بل سيعود ذلك بالإبطال على المضمون الإبداعي في أعمال «فوق تاريخية» نكاد نجزم بأنها تفوق كل الأعمال «تحت التاريخية» التي نكتبها الآن: فهل نستطيع أن نقول: «إن «أنف غوغول» لم يكن لها أن تصبح قصة فوق تاريخية ولن يكون لها ذلك؛ لأن كاتبها لم يدرس تشريح الأنف وتكويناته وأمراضه»، أو أي قول هذا القبيل؟!

إن الروائي إذا اقتنع بمثل هذا الادعاء فإنه سيحوله إلى مثل مدمن الخمر أو الحشيشة، بدعوى: أنها تساعده على الكتابة؛ فالخمرة أو الحشيشة قد تمكّن الكاتب من معرفة بعض السمادير، والآثار الجسدية لهاتين المادتين على المرء، لكنها ليست إكسير إبداعه ولا ترياقه، وقد نضطر عندما يتحول الأمر إلى طقس إبداعي إلى أن نقول فيما بعد عن روائيٍّ مدمن على البحث أو الخمر: إن الروائي فلاناً مبدعٌ على رغم أنه مدمن! وأتذكر أن هذا قيل ذات مرة عن هيمنغواي.

وإذن: فإن المعلومة نفسها ليست مصنع الإبداع الروائي، إذ إنني مقتنع، على رغم أنه ليست لي معرفة بتشريح المخ ولا فصوص الدماغ ولا رأس الإنسان، بأن ثمة علاقة تضادّ بين المعلومة والإبداع، كمثل التنافر بين المعلومة والكذب، إذا افترضنا أن الكذب يتخذها قاعدة أساسيةً لاختلاق ما يضادها، لا مصنعاً لتكوين نفسه، وإلا لأخذنا بقولٍ جدليّ ظالم في تأسيسه ونتيجته، مفاده: أن مصنع الكذب أو مادته تتكون وتتخلق من الحقيقة، ويا له من جور في التصور والادعاء والحكم والنتيجة.

ويحضرني بهذه المناسبة أن بورخيس كتب قصة بعنوان: «ذاكرة شيكسبير»، تتمحور حول خديعة أن الذاكرة هي موطن الإبداع، ولكن ذاكرة شيكسبير تحولت إلى لعنة في القصة، لعنة تطارد من يوافق على الحصول عليها، ليجد نفسه في آخر الأمر محاولاً التخلص منها بشتى السبل؛ لأن من يتلقى هذه الذاكرة لا يجد أي ارتباط قائم بينها وبين الإبداع، بل ربما يجدها منغّصة من منغصاته، مثل منظر مجرى ماء عفن يسد الطريق أمامك!

وعندئذ لنا أن نقول -وليغضب المثاليون- إن الروائي ليس عمله المحاكاة؛ وكذلك الممثّل في المشهد الدرامي، ليس عمله أن يتقن المحاكاة؛ فالممثل، إذ يحاكي بجسده وملامحه وألفاظه المحِبَّ والغيورَ والغاضبَ، يكون دورُه قاصراً مثل قصور المرآة، وإن ظننّاه مبدعاً بسبب الانعكاسات البادية عليه. لكنه حين يوجِد في نفسه وملامِحه، في أثناء التمثيل، شعورَ الحب والغيرة والغضب: ينقلب مبدِعاً أصلياً... فكذلك الروائي: مبدع بقدر ما يصنع، وقاصرٌ بقدر ما يُحاكي.

ربيع جابر
شيكسبير