لماذا الفن مهم للحياة؟ لأننا من خلاله نفهم أنفسنا ومشاعرنا، ونصبح أكثر قدرة على تذوق الفرح والحب في حياتنا.

هذا المدخل مهم في بداية حديثي عن مسلسل "وساوس"، الذي قامت بصنعه المخرجة السعودية هناء العمير. مهم بالنسبة لي من وجهتين؛ الأولى أن الفن مهم لنا كمجتمع، مهم أن نصنع الفن، وأن نكون قادرين على إنتاجه، ومهم أيضًا أن نكون قادرين على فهمه والاستمتاع به.

وبالنسبة لي قدمت هناء الشيئين معًا، كمخرجة أثبتت قدرتها في هذا المسلسل، وكعمل تفاعلت معه وأعجبني من زوايا كثيرة.

العمل لا يعتمد على الأفكار الكبيرة، لم تضع البيض كله في سلة واحدة، هذا أكثر ما أعجبني فيه.

ببساطة متناهية، بل ببساطة غاية في الصعوبة، قدمت العمير من خلال ثماني حلقات النساء في السعودية بشكل مختلف، حكاية تحكيها نساء من مواقع مختلفة، ينتمين للعالم نفسه، وربما البيئة نفسها، لكن لكل منهن حكايتها ووجهة نظرها.

يمكنك أن تلاحظ اختلاف الزي في البيت نفسه، نوع الأزياء وتسريحة الشعر لأختين تربيتا معًا، تبين لك مدى اهتمام هناء بالتفاصيل، ومدى فهمها للشخصيات التي تريد أن تعبر من خلالها عنا كنساء في المجتمع السعودي. فإذا كان هذا الاختلاف موجودًا إلى هذه الدرجة في بيت واحد، يصبح من الأولى أن نستوعب الاختلاف الكبير بين النساء في السعودية المترامية الأطراف.

يصبح من حقي أن أفخر بوجود نساء مثل هناء العمير، ونساء يقدمن شخصيات هناء العمير. العمل سعودي بامتياز وأنا فخورة به.

ليست المرة الأولى التي أشاهد فيها عملاً يعيد تصوير المشاهد من وجهة نظر كل شخصية، لكنها المرة الأولى التي أرى فيها عملاً يتحدث من وجهة نظر ثماني شخصيات، وهي عدد حلقات المسلسل. وكما قالت الممثلة إلهام علي في اللقاء إنها لم تستطع في البداية استيعاب كيف يمكنها أن تقوم بتغيير شخصيتها في كل حلقة كي تتلاءم مع وجهة نظر راويتها، وكيف دلتها المخرجة على الطريقة تبين لي مدى الاقتدار.

قدمت هناء العمير المرأة السعودية المعاصرة، بدون رفع شعارات، بدون دراما زائدة على الحاجة، ما أبهرني حقيقة هو اعتمادها على الحديث الخافت، والإيماءات، والبعد عن البكاء أو الحديث المكرر. فعلى الرغم من أن الحديث كله يدور حول ميت، لكننا لا نرى صراخًا ونشيجًا وبكاء هيستيريًا. هذا في حد ذاته إنجاز عظيم.

هناك كثير مما أود قوله حول العمل والمشاركين فيه، الصورة والتمثيل والممثلون والسيناريو. لا بد أن هناك ثغرات قابلة للنقد، كأي عمل مهما كان عظيمًا، لكنني هنا أريد الاحتفاء به؛ لأنه يستحق.