أثبتت الأحداث الأخيرة التي واجهها سوق النفط العالمي، أهمية سرعة توجه المملكة للاستثمار في مواردها الطبيعية المتعددة.

ومن أهمها الاستثمار بالطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على البترول، وهذا أمر ضروري يتجسد بمقولة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان - حفظه الله - عندما قال أثناء إطلاق «رؤية المملكة 2030»: لقد وضعت نصب عيني منذ أن تشرّفت بتولي مقاليد الحكم السعي نحو التنمية الشاملة من منطلق ثوابتنا الشرعية وتوظيف إمكانات بلادنا وطاقاتها والاستفادة من موقع بلادنا وما تتميز به من ثروات وميزات لتحقيق مستقبل أفضل للوطن وأبنائه، كما يدعم ذلك ما سبق وراهن عليه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بتبنيه خطة إصلاحات اقتصادية واسعة وفق «رؤية السعودية 2030»، بهدف تقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية، وقد كلف مجلس الوزراء، مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الذي يرأسه ولي العهد، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان «بوضع الآليات والترتيبات اللازمة لتنفيذ ورسم هذه الرؤية الاقتصادية والتنموية للمملكة، لتجعلها بالرغم من أنها تعد أكبر منتج للنفط في العالم تسعى لتنويع مصادر دخلها، في ظل التراجع الحاد في أسعاره عالميا. 

وبدأ التحدي والبرهان لجعل الطاقة الشمسية أملا واعدا لتحول بلادنا عن النفط، لما تملكه من مقومات تجعلها مركزا إقليميا ودوليا مهماً للطاقة نظرا لطبيعة الطقس بها وغناها بالأشعة الشمسية الوفيرة، وبما تملكه من مساحات شاسعة تمكنها من بناء محطات إنتاج طاقة شمسية ضخمة.

إنتاج الكهرباء

إن سعي المملكة لتنويع مصادرها من الطاقة المتجددة، يدعمه قرار تشكيل لجنة عليا لشؤون مزيج الطاقة لإنتاج الكهرباء وتمكين قطاع الطاقة المتجددة، لتتولى البت في جميع ما يتصل بتحديد مزيج الطاقة الأمثل لإنتاج الكهرباء، والإشراف والتمكين لقطاع الطاقة المتجددة من إنتاج وتصنيع لتكون مرجعاً لكل ما يتعلق بذلك من موضوعات.

وقطعت المملكة شوطاً كبيراً في تنويع مصادرها من الطاقة، والوصول إلى مزيج مستدام من مصادر الطاقة المتجددة، ولديها الآن «البرنامج الوطني للطاقة المتجددة» والذي يهدف إلى تحقيق التوازن في مزيج الطاقة الكهربائية، مما سيحقق بلوغ الأهداف الاقتصادية والبيئية واستيعاب الطاقة المتجددة والتقنيات المتطورة في هذا المجال، وتحقيق الأهداف الاستراتيجية للرؤية التي نصت على استخدام مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة، في الشبكة الكهربائية ومزيج الطاقة، بدلاً من حرق النفط لتوليد الكهرباء، والمملكة تشهد حالياً نمواً متزايداً في الطلب على الكهرباء والمياه المحلاة، وتمتلك واحدة من أكبر شبكات الطاقة الكهربائية في العالم بمعدل نمو سنوي قدره 6.7 %، والتقديرات تشير إلى أن الطلب المتوقع على الكهرباء في المملكة سيتعدى 120 غيغا واط بحلول العام 2032، وهذا سيؤدي إلى استهلاك الكهرباء لجزء كبير من إنتاج المملكة من النفط الخام، تقدره بعض الإحصاءات، مع استهلاك الصناعة والنقل وتحلية المياه بنحو 8.3 ملايين برميل يومياً، وهذا سيؤدي في النهاية إلى استهلاك هذه القطاعات المحلية لجميع إنتاجنا من النفط.

وسبق وطرحت المملكة في العام 2018 مناقصة عالمية لتلقي عروضا لأول مشروع لإنشاء محطة توليد طاقة كهربائية بالاعتماد على طاقة الرياح، وكانت العروض المقدمة مذهلة مقارنة بأدنى التعريفات المسجلة حول العالم، وفي مسعى جديد، لتنويع مصادر الطاقة، بدلا من الاعتماد الحصري على النفط، والتحول إلى إنتاج الطاقة المتجددة، وحتى تصديرها، عمدت وزارة الطاقة لإنشاء مكتب تطوير مشروعات الطاقة المتجددة تحت وزارة الطاقة في العام 2017 وذلك لتحقيق أهداف البرنامج الوطني للطاقة المتجددة تماشيا مع الرؤية، وبتوفر كل المقومات والمواد الخام كأشعة الشمس، والأرض، والأهم من ذلك، الإرادة فقد سعى المكتب لتحقيق قيادة موحدة لقدرات المملكة في أبحاث الطاقة وقياسها وجمع بياناتها وتنظيمها وتطويرها وطرح المناقصات المتعلقة بالطاقة المتجددة وذلك بالتعاون مع أصحاب المصلحة في قطاع الطاقة في المملكة بما في ذلك مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة وهيئة تنظيم الكهرباء والإنتاج المزدوج والشركة السعودية للكهرباء.

وانطلق البرنامج الوطني للطاقة المتجددة، وهو مبادرة استراتيجية تحت مظلة رؤية المملكة ومبادرة الملك سلمان للطاقة المتجددة، مستهدفا زيادة حصة المملكة في إنتاج الطاقة المتجددة إلى الحد الأقصى، وبدأ البرنامج في خارطة طريق محددة ومتسقة لتنويع مصادر الطاقة المحلية وتحفيز التنمية الاقتصادية والعمل وصولا لاستقرار اقتصادي مستدام في المملكة في ضوء أهداف رؤية المملكة، والتي تتضمن تأسيس صناعة الطاقة المتجددة ودعم تطور هذا القطاع الواعد وذلك بالعمل على الوفاء بالتزامات المملكة تجاه تخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وتم إطلاق المرحلة الثالثة من البرنامج الوطني للطاقة المتجددة بداية يناير 2020، وقبل عامين أنشأت المملكة مختبرا للطاقة الشمسية في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، وأجرى مهندسون سعوديون محاكاة هبوب عاصفة رملية لاختبار متانة ألواح شمسية في مختبر للأبحاث، ووقعت المملكة عقداً ضخماً مع مصرف سوفتبنك الياباني لتطوير مشروع لاستغلال الطاقة الشمسية في المملكة بهدف إنتاج 200 جيجاوات من الكهرباء بحلول 2030، وأشارت تقديرات لبلومبيرج أنه في حال بناء هذا الحقل للطاقة الشمسية في موقع واحد، فإنه سيغطي ضعف مساحة هونغ كونغ.

ولن تبقى المملكة متصدرة فقط للنفط عالميا بل وستكون مصدرا للطاقة الشمسية من خلال تنفيذها لمشروعات الطاقة الشمسية التي ستمكنها من إنتاج 200 جيجا واط من الطاقة الشمسية، وكذلك مشروعات الحصول على الطاقة من الرياح، التي ستوفر أيضا فائضا من الطاقة المتجددة، حيث إن المملكة تتعرض بسبب موقعها الجغرافي لمعدل إشعاعي يومي يصل إلى نحو 8300 واط لكل متر مربع في الساعة، وهو من أعلى المعدلات الإشعاعية في العالم، وتعد جهود المملكة في مشروعات الطاقة المتجددة مستمرة بوتيرة متصاعدة ومطمئنة، وتلقى اهتماما كبيرا من الجهات الرسمية، ماجعل تلك الجهود تتنامى بالتزامن مع طرح رؤية 2030، التي شددت على أهمية قطاع الطاقة بجميع أنواعها، في تعزيز اقتصاد المملكة، وزيادة الدخل القومي للمملكة، وفي أواخر العام الماضي (2019) طرحت المملكة 10 مشروعات عملاقة في قطاع الطاقة المتجددة، بقدرة إجمالية تصل إلى 2.670 ميجاوات، وهو ما يشير إلى تطلعات ومستهدفات الرؤية الطامحة في أن تكون المملكة بلد الطاقة الأول في العالم بلا منازع، وتشير الدراسات إلى أن استخدام 7.5 من مساحة المملكة لمشروعات الطاقة الشمسية يكفي لسد الاحتياج إلى الطاقة الشمسية في كل أنحاء العالم.

تلافي انبعاث الغازات

بدوره، قال، المختص والمهتم في علم البيئة د. نايف بن غازي التوم: تتسارع وتيرة تحول دول العالم إلى قطاع الطاقة المتجددة وذلك لتلافي انبعاث الغازات الملوثة والحد من ظاهرة الاحتباس الحراري وأيضاً لضمان أمن واستقرار الطاقة، حيث إن الطاقة البديلة أو المتجددة المستمدة من الموارد الطبيعية مثل الرياح والمياه والشمس والمد والجزر وغيرها من المصادر التي لا تنفذ وغير مكلفة وآمنة بيئياً مقارنة بالوقود الأحفوري بأنواعه والذي ينتج عنه عدد من الملوثات البيئية التي تدمر جو الأرض بالغازات الضارة مثل ثاني وأول أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت وأكسيد النتروجين وغيرها من الملوثات، فقد تحول إنتاج الطاقة الكهربائية في العديد من دول العالم إلى استخدام الطاقة المتجددة، وتعمل المملكة كبقية دول العالم على بناء قطاع طاقة متجددة باستثمارات تصل إلى مليارات الدولارات، وأول هذه المشروعات توربين لتوليد الكهرباء من الرياح في المملكة في مدينة طريف الشمالية والذي دشنته شركتا أرامكو السعودية وجنرال إلكتريك ليقوم بتوليد طاقة تساوي 2.57 ميجاوات ويعادل ما يولده 19 ألف برميل نفط وما يستهلكه 250 منزلا من الكهرباء سنويا. 

ومشروع للطاقة الشمسية في منطقة الجوف لإنتاج 300 ميجاوات، وآخر في منطقة تبوك لإنتاج 400 ميجاوات. فالمملكة تتمتع بموقع جغرافي فريد وطقس مشمس ملائم يساعد على الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، ويتبلور ذلك في رؤية 2030 وبرنامج التحول الوطني 2020 والذي يدعو إلى تخفيض الاعتماد على النفط ، فقد أشار العديد من الخبراء من داخل وخارج المملكة إلى نضوب النفط في يوم ما وعلى الرغم أن التقديرات التي توكد أن هذا الأمر لن يحدث حتى العام 2050م إلا أن هناك ضرورة ملحة لتجهيز البدائل وذلك في ظل الثروات القادرة على توفير التقنيات والمعدات اللازمة وتدريب الموارد البشرية التي ستعمل في هذا القطاع وتوظيفها، ويضيف: سيرحل البترول يوما ما، ولكن ستبقى المشروعات الجبارة والأفكار النيرة التي تعزز أمن وازدهار واستقرار بلادنا وذلك بفضل من الله ثم بفضل حكومة رشيدة تستبصر المستقبل وتستبق الأحداث لتعمل على حماية الوطن وثرواته.

د. نايف التوم