كم مرة عبرت حياتك سحابة معتمة؟ وشعرت أنك على حافة الهاوية، وتخيلت قدميك تنزلقان دون إرادة منك إلى هوة سحيقة حيث لا أمل لك في النجاة، وأن الدنيا ضاقت حتى تحولت لحبل غليظ يلتف حول عنقك ويخنق أنفاسك؛ حين تمر بهذه الحالة عليك أن تدرك أنك لست وحدك، فهناك الملايين حول العالم يشاركونك اللحظة ذاتها، لكن الإنسان كائن متفرد عن سائر الكائنات، لذا نجد رد فعله تجاه الألم النفسي يختلف من شخص لآخر، فهناك من ينعزل ويدخل دائرة الاكتئاب، وهناك من يطلب الدعم أو يحاول الخروج من هذه الدائرة معتمداً على إرادته، وهناك من يتقرب إلى الله طلباً للفرج ومن يكفر برحمة السماء.. حالة واحدة مشتركة ومئات من ردود الأفعال المختلفة، هكذا هو الإنسان وهكذا هي الحياة.. يوم حلو ويوم مر.

الإنسان يمكنه دوماً أن يبدأ من جديد، مهما كانت كبوته مؤلمة، بقليل من العزم والدعم يمكنه النهوض، فهناك دائماً فرصة ثانية متاحة لمن يدركها ويغتنمها، وقد تكون أفضل من كل ما ودعته في حياتك السابقة وندمت على خسارته، وليس هناك في هذه الحياة الدنيا من هو أهم منك لك، حيث إن هناك شعوراً عاماً بغياب الأمل وبأننا عالقون في لحظة ستدوم إلى الأبد.

للصحة النفسية مظاهر أربعة رئيسة: القدرة على الصمود أمام كروب وضغوط الحياة المتوالية والمتسارعة، أن تواكب قدراتك مع طموحاتك فلا نرفع سقف التوقعات للحالة المثالية التي قد نعجز من الوصول لها مما يسبب لنا الإحباط واليأس، كذلك تحمل مسؤولية العمل الذي تقوم به وتحبه وأن تخلص فيه وتؤديه كما يجب أن يكون بكل أمانة وإتقان، وأخيراً الشعور بالوطنية والانتماء التي تعزز الأمان والاستقرار والاطمئنان.

معنى ذلك أن سلامة الصحة النفسية تعتمد على معيارين: مدى شعور الإنسان بالاستقلالية الذاتية ومدى تقبل الشخص للواقع الذي ينتمي إليه مما يحقق له التعايش والاندماج، حتى لا تتكون في المجتمع الهشاشة الأخلاقية وردود الفعل المتطرفة والعنيفة عند الناس بسبب نقص الصحة النفسية مثلما يحدث للجسد في حال نقص الغذاء، والتي قد تتسبب في الدخول في متاهات الأزمات والاضطرابات النفسية التي تحتاج وقت للخروج منها بسلام.

في الحقيقة نحن نعيش فترة صعبة نتعرض فيها لضغوط نفسية بسبب ضغوط الحياة اليومية، وبسبب الأزمات العالمية المتلاحقة سواء بالحروب أو بالأمراض، وبسبب الاستقطاب المجتمعي الذي قد نلمحه في وسائل التواصل، وأخطر ما في الأمر هي مشاعر اليأس والعجز والقهر، الأمر يحتاج في البدء إلى وعى بأن ما نمر به عابر وأن نبحث عن الدعم والمساندة ومخالطة أشخاص صادقين وإيجابيين حتى لا نزيد الأمر ثقلًا على أنفسنا، وأن يكون لدينا إرادة المقاومة وأمل في الغد القادم، وأن هناك فرصة ثانية أفضل تنتظرنا.