يقول بشار الأسد إنَّ كارثةً ستحصل في سورية إذا ما ازدادت حالات الإصابة بكورونا، لا يُدرك أن الكارثة الحقيقية حلَّت بها على يديه منذ عشرة أعوام، عند اندلاع الانتفاضة السورية، بل حلَّت منذ انقلاب الأب قبل خمسين عاماً والاستيلاء على سورية لتصبح مزرعة لآل الأسد وطائفته من آل مخلوف وشاليش وسليمان ودوبا وغيرهم من اللصوص.

ويشهد التاريخ السوري أن جميع هذه الأسر مجرد خادمة وعاملة بالنسبة المئوية عند بشار ومن قبله أبوه حافظ، ومجرد أدوات تستخدم عند الطلب، ومن كبيرها إلى صغيرها لا تقدح من رأسها، ولا تعمل على أهوائها، ولا تتصرف حسب رغباتها، كلّه متفق عليه.

وكما كان محمد مخلوف واجهةَ حافظ الأسد الاقتصادية، كذلك أصبح رامي مخلوف واجهةً لبشار الأسد، ليرثَ كلُّ واحدٍ منهما أباه، والمليارات أصبحت إرثاً لأُسر طائفية، تتظاهر بالوطنية، وما هي إلا مجردُ لصوصٍ تتاجر بكلِّ ما هو ممنوع.سورية المنهوبة

تعدّ أسرة الأسد وآل مخلوف مافيا متماسكة بشدة منذ عقود رغم المنافسة وعملوا يداً بيد لنهب موارد الدولة.

وبمجرد أن أصبح رئيساً لسورية في 1970م، مكّن حافظ الأسد طائفته من الهيمنة على الدولة وهياكل السلطة المختلفة، وهنا يدخل محمد مخلوف إلى الصورة، وكان من أكثر رجال النظام فساداً، وسيئ السمعة على وجه الخصوص في عمليات التهريب.

وتمكنت أنيسة زوجة الأسد وشقيقة مخلوف المنحدرة من الأسرة الأكثر نفوذاً في الدوائر العلوية، لذكائها وقوة شخصيتها، من التأثير في قصر الحكم على الرغم من اختفائها عن أضواء الإعلام، لكنها لعبت الدور الأكبر في قرارات الأسد، وجلبت أسرتها ومكنتها من التغلغل في الاقتصاد بقيادة شقيقها محمد مخلوف الذي انتقل بقدرة قادر من موظف صغير إلى مدير عام مؤسسة حصر التبغ والتنباك، ليسيطر على وكالات شركات الدخان الأجنبية في سورية، ثم عين مديراً للبنك العقاري السوري ليمنح القروض لمن يشاء، ثم تحوّل إلى رجل أعمال في القطاع النفطي ليؤسس شركة الفرات للنفط، وتمكن من خلالها الاستيلاء تدريجياً على قطاع الطاقة، وأسس عدداً من محطات توليد الكهرباء، وأنشأ مكتباً لتسويق النفط السوري يقتطع عمولة 7 ٪ من قيمة كل برميل نفط، ما جعل النفط السوري يباع بأقل من سعره، وحسب معلومات أدلى بها فراس طلاس ومسؤولون سوريون رفيعون كانت حصة الأسد ومخلوف من النفط السوري سبعة ملايين دولار يومياً.

فتحوّل مخلوف الأب منذ بداية الثمانينات الميلادية وأبناؤه إلى بنك لأسرة الأسد، الأمر الذي دفع رفعت الأسد للمطالبة بقسمة عادلة في الحكم والمال، فحاصر دمشق بقوات سرايا الدفاع وزاحم حافظ على السلطة، ثم أُبعد إلى خارج سورية في إطار صفقة ضمنت له مليارات الدولارات، ومكاسب كبيرة من تجارة الآثار السورية التي قام بتهريبها على مدى سنوات، دون رقيب أو حسيب، وتحفّظ الإعلام السوري الرسمي حتى الآن عن تشويه سمعته، ولعبت أنيسة مخلوف دوراً أساسياً في استبعاده وإزاحة خطر كبير يهدد آل مخلوف، ومن ثم ورثة الحكم.

وبعد وفاة حافظ الأسد 2000م، ظهرت حاكمة الظل أنيسة بقوة لتتسلم زمام الأمور وترتب تسليم كرسي الحكم للرئيس الجديد، فاجتمعت بالأسرة واستدعت وزير الدفاع وكبار الضباط وحددت لهم طريقة التوريث لابنها، ووجهته لقتل من تريد وطرد الآخر، وحوّلت سورية إلى مزرعة طائفية، وبفضل دعمها بنى آل مخلوف إمبراطوريتهم الاقتصادية.

صراع روسي - إيراني على الأصول الاقتصادية والاستراتيجية السورية

تهديدات الفيسبوك تنهي حلف اللصوص.. وإيران الخاسر الأكبر

وأصبحت أنيسة قوة في حد ذاتها ولم تكن تثق بزوجة ابنها أسماء صاحبة الجنسية البريطانية، واستخدمت نفوذها لتهميش دورها العام، وينبع كرهها من قلة ثقتها بابنها بشار المعروف بكونه وديعاً وضعيف الشخصية، ولم يُجهَّز قط لدور رئيس، بل وفاة أخيه باسل عام 1994م، قدمته للرئاسة كوريث له، على الرغم من أن الأم أنيسة دفعت حافظ الأسد لاختيار الأخ الأصغر لبشار ماهر، لكن حافظ كان يرى ماهر على أنه عنيف ومتهور.

إمبراطورية مخلوف الاقتصادية

يتربع مخلوف على رأس إمبراطورية اقتصادية تشمل أعمالاً في قطاع الاتصالات والكهرباء والعقارات والبترول والمصارف وغيرها من الأنشطة.

ولُقّب رامي مخلوف، بـ (السيد 5 %) نسبةً إلى تقاضيه عمولة 5 % على أي صفقة تعقد في سورية، عبر استخدام نفوذه الممنوح له من بشار الأسد لنهب الاقتصاد السوري على مدار سنوات طويلة، والذي قُدر بما يزيد على 70 مليار دولار.

دخل رامي مخلوف السوق التجارية أواخر الثمانينات الميلادية وهو في المرحلة الثانوية، وتعلّم على يدي أبيه سبل الفساد، واهتم بداية بتهريب السجائر الأجنبية من لبنان إلى سورية عبر معبر الجدَيدة، وكذلك عن طريق مؤسسة الريجي (مؤسسة حصر التبغ والتنباك)، بمساعدة والده الذي يرأسها والوكيل الحصري لشركات السجائر الأجنبية، ثم أنشأ شركة (غوتا) التي تتولّى التفاوض مع شركات السجائر الأجنبية والمشروبات الكحولية وترتب دخولها السوق السورية.

وهيأ مخلوف الأب لابنه محامين يدربونه على كيفية التباحث مع الشركات حول العمولات، وطرق فرض الرشوة المنظمة (النسبة المئوية) عليهم.

وخلال مدة قصيرة توصّل إلى البنك العقاري الذي يرأسه والده، وحصل على قروض وهمية طويلة الأجل وعقود بنكية مع أكبر التجار والصناعيين باستثناءات خاصة ودون فوائد، واستفاد من تشغيلها.

منح البنك العقاري رامي مخلوف قرضاً بقيمة 350 مليون ليرة باسم شخص متوفى لإقامة مشروع سياحي في مدينة الرقة على البحيرة، واُكتشف بعد ذلك أن الأرض أملاك للدولة وتحديداً لوزارة الزراعة، ومنح قرض آخر بمبلغ 270 مليون ليرة في مدينة حلب لبناء مشروع صناعي دون فوائد، ومُنح قرض بقيمة 500 مليون ليرة بكفالة منشأة عليها حجوزات من قبل الورثة، وصاحب القرض مقيم في قبرص، وجميع هذه القروض لم تسدد.

واستمرت الحال على ما هي عليه من نهب لمقدرات الشعب السوري إلى وفاة حافظ عام 2000م، وتعيين بشار رئيساً لسورية، فاستخدمت (أنيسة) نفوذها لتقوية أقاربها ليصبحوا مراكز قوة حقيقية داخل سورية، فوسع شقيقها محمد مخلوف وأولاده نفوذهم بشكل كبير.

في ذلك العام أسس رامي مخلوف شركة (سيرياتيل)، وهي واحدة من شركتَيْ اتصالات فقط في سورية تسيطر على 70 ٪ من السوق المحلية، وبنى رامي ووالده محمد إمبراطورية تجارية ضخمة وقيمة صافية تقدر بـ 5 مليارات دولار في بداية الألفية الثالثة، بينما يمارس أخواه حافظ وإياد مخلوف هيمنة متزايدة على أجهزة أمن الدولة لترهيب المنافسين، لترتفع عدد شركات آل مخلوف في سورية وحدها على ما يزيد 50 شركة مهيمنة على اقتصاد سورية بشكل كامل.

ويمتلك رامي مخلوف وإخوانه عدة شركات في سورية، منها: (إيلتيل ميدل إيست)، و(تي بي راماك ليمتد)، و(شام القابضة) التي تملك استثمارات في قطاع السياحة الفاخرة، والمطاعم، والعقارات، وأكبر شركة عقارات (بنا للعقارات) وأهم شركات السياحة (المدائن)، وأول شركة طيران خاصة (لؤلؤ)، وشركة بيلسان للإدارة والإطعام لتعهدات شركات الطيران.

كما هيمن مخلوف على القطاع المصرفي كاملاً من خلال الشراكات أو الملكية الكاملة كالبنك الإسلامي الدولي لسورية، بنك بيبلوس، بنك البركة، بنك قطر الدولي، بنك الشام، بنك الأردن في سورية، وشركات التأمين، وشركات الخدمات المصرفية، والأسواق الحرّة.

وكذلك نشاط كبير في قطاع الوقود والنفط والغاز، من خلال شركة جلف ساندز البريطانية للنفط، وشركة سنا للاستثمار المحدودة المسؤولية والتي تعمل في استكشاف ومعالجة وتسويق النفط والغاز، وشركة لمد الجسور والطرق، وأنشطة في العقارات، كشركة الفجر، وباترا، وشركة الحدائق، واستثمارات واسعة في وسائط الإعلام، كصحيفة الوطن، تلفزيون نينار، قناة الدنيا الفضائية، وشركات الدعاية والإعلان، كشركة بروميديا، وفي التعليم، كمدرسة الشويفات الدولية، كما يملك الشركة السورية الإيطالية المتحدة لنقل وتصدير زيت الزيتون، وتجارة بيع وتصدير الخيول الأصيلة العربية إلى بريطانيا، إضافة لتصدير الذهب والألماس.

وكذلك أصبح رامي مخلوف الوكيل الحصري لشركة المرسيدس، والذي انتزعها من أسرة (سنقر) الوكلاء التاريخيين لها (50 عاماً)، حيث منعهم من توريد قطع الصيانة، وقد تدخل حينها المستشار الألماني غيرهارد شرويدر للتوسط لدى بشار الأسد في زيارته لألمانيا في يوليو 2001م، كي يفرج رامي مخلوف عن شحنة تحتوي على مئة سيارة مرسيدس مستوردة لصالح القصر الجمهوري قام بمنعها من المرور من مرفأ طرطوس لشهور عدّة، حتى إن الصدأ بدأ يهددها بالتلف، مع أنها كانت في عقد موقع ما بين الوكلاء الرسميين (سنقر) وممثلي القصر الجمهوري.

كما لمخلوف أملاك كبيرة في جزيرة فيرجن الأميركية، وقد رفعت ضده دعوى قضائية، بسبب تلك الحيازات، فتم نقلها إلى أخيه إيهاب مخلوف، وعشرات الشركات في أوروبا الشرقية.

لم تكن الشركات المعلنة في سورية والمملوكة لرامي مخلوف وإخوانه سوى الرأس الظاهر للعيان من جبل الجليد، بينما تختبئ العمليات المعقدة والشركات الأم في الملاذات الضريبية الآمنة، لتحافظ على سرية حسابات عملائها، فتساعدهم عن طريق أسماء وهمية في الدخول في شراكات وصفقات سرية، وتمرر الأموال بعيداً عن الرقابة المالية العالمية.

تبييض الأموال

استمر رامي مخلوف وعبر واجهاته الاقتصادية من مؤسسات ورجال أعمال في أعماله داخل سورية وخارجها، وفي إيداع الأموال في الملاذات الآمنة، واستمرت جهات دولية بالتعامل معه رغم الحظر الأوروبي والأميركي بعد انتفاضة الشعب السوري، إذ كشفت وثائق سربت من فرع بنك HSBC في جنيف، وعُرفت بـ «سويسليكس»، والتي سربها موظف في البنك للسلطات الضريبية الفرنسية، ثم سربتها السلطات الفرنسية لصحيفة لوموند الفرنسية، أن مخلوف أودع 10.5 مليارات جنيه إسترليني عام 2006م، في حسابات سرية بسويسرا، وذكر البنك أنه لم يجمد تلك الحسابات، إلى أن قدمت وكالات رقابية طلباً خاصاً في مايو 2011م.

كما كشفت الوثائق أن هناك خمس شركات مخفية فيما يسمى شركات الأوف شور مسجلة في جزر العذراء البريطانية، وهي: (.....)، ومرتبط بهذه الشركات رجل الأعمال الإسرائيلي فريدي زينغر، المقيم بمستوطنة كريات شمونة، ويدير جمعية دعم التعليم في إسرائيل، وبعضَ الشركات الطبية التي سجلت اختراعات طبية، ظهر في حسابات هذه الشركات كمفوض يسمح له دخول حسابات كل من ضابط الأمن السوري حافظ مخلوف وإخوانه رامي وإيهاب وإياد، كما أظهرت الوثائق أيضاً، أنّ هؤلاء الأربعة هم مالكون للحساب المصرفي المسجل باسم الإسرائيلي زينغر.

وأظهرت الوثائق شخصاً من حزب الله يدعى محمد عباس، وهو أحد واجهات مخلوف في رومانيا وجمهورية التشيك، ويدير مجموعة مشروعات، منها مطاعم ووسائل إعلام وشركة طيران تسمى «الأجنحة»، حاول رامي مخلوف إطلاقها من سورية، لكنّ الاثنين وثقا عنوانهما في السجلات الرسمية للشركة على أنّه بنك HSBC في سويسرا.

وفي وثاِئق من السجل التجاري في بنما ظهر اثنان من أشهر الواجهات التي تغطي أموال مسؤولين ونافذين حول العالم، وهما هوزيه جيمي مالانديز وليزت مورينو، ويطلق عليهما في أنظمة إخفاء الأموال اسم «بروكسي» أي وكيل أو واجهة شكلية لصاحب المال، كمديرين لشركة «راماك ليمتد» المملوكة لمخلوف المسجلة في بنما، والتي تدير تعهدات ضخمة في سورية ولبنان حالياً، وتحصل على المناقصات والعطاءات كشركة أجنبية، لكنها في الواقع مملوكة لآل مخلوف.

ومن الألغاز التي كشفتها الوثائق، اللقاء الذي عقده محمد مخلوف وزوجته مع إدارة بنك HSBC لإدارة استثماراتهما، بتاريخ 05 يناير 2005م.

كما كشفت الوثائق عن سيولة مالية تم تمريرها إلى شركاء وشركات الملاذات الضريبية الآمنة، ضمن حسابات آل مخلوف المذكورة، وأظهرت أن الحسابات لم تكن لاكتناز الأموال، وإنما لتمرير أموال ولربط أسماء وشخصيات وشركات بهذه الحسابات، وتحويلها إلى بنوك وشركات أخرى مخفية.

ثم كشفت وثائق غربية عن تهريب أموال من سورية بعشرات المليارات من الدولارات، من شركة واحدة فقط هي شركة الاتصالات (سيرياتيل)، وقيل إنها 47 مليار دولار، عدا الشركات الكبرى المتعددة التي يمتلكها رامي مخلوف في سورية، ومئات الشركات المتوسطة والصغيرة المسجلة في ملكية أشخاص آخرين، لكن ملكيتها تعود في الحقيقة إلى رامي مخلوف، وجميعها لا يعرف أين تذهب عوائدها، ما أثر في تدهور الوضع الاقتصادي وصرف الليرة السورية.

كما جاءت طرق تهريب الأموال عبر فنانين وفنانات عرب وأجانب متعاونين ومتعاطفين مع آل مخلوف، منهم من يلتقي مباشرة برامي، ومنهم من يلتقي بالوسيط عبدالقادر صبرا، رجل الأعمال المسؤول عن الشحن البحري في ميناء طرطوس، مقابل نسبة متفق عليها بين الأطراف.

وكذلك يتم تبييض الأموال عن طريق ضباط مخابرات سوريين حاملين صفة مدنية، ولديهم أكثر من جنسية، ويتجولون بأكثر بلاد العالم، ولديهم من الطرق العديدة كتحويل الأموال لمصاغ ذهبي، أو على شكل عقاري بأسماء أشخاص آخرين، أو توضع كاستثمارات في شركات عالمية، أو مصارف داخلية وخارجية، أو في تجارة شراء وبيع الأسلحة عن طريق أسماء متعددة وليست بشكل مباشر لتغذية حروبهم الطائفية في أماكن متعددة، فآل مخلوف لديهم من الخطط المحكمة والطرق التعجيزية ما يحول دون تعقبهم أو اكتشاف أملاكهم في أنحاء العالم.

ظهور السيدة الأولى

في العقد الأول من رئاسة بشار الأسد لم تكن أسماء البريطانية والتي تعود جذورها إلى أسرة تجار سنية من حمص ودمشق، لاعباً مهماً.

ولم يكن رقباء النظام يسمحون للإعلام بالإشارة إلى أسماء على أنها السيدة الأولى على عكس أنيسة والدة بشار التي كانت تعرف دائماً بالسيدة الأولى في عهد الأب حافظ.

لكن أنيسة مخلوف تُوفِّيت في فبراير 2016م، ومنذ ذلك الحين ارتفع نجم أسماء الأخرس، ما أدى إلى بناء قاعدة قوة مستقلة لنفسها ولأسرتها متحدية الآخرين من أسرة الأسد وآل مخلوف.

ومع تدخلها الاقتصادي أصبحت أسماء أكثر تركيزاً على إعداد أطفالها ليحلوا مكانهم في حكم سورية، وغالبًا ما تنقّل أبناؤها حافظ وزين وكريم الأسد في رحلات لرفع معنويات الميليشيات المقاتلة، أو افتتاحهم مرافق جديدة من مستشفيات أو مدارس مبنية حديثاً، كما حرصت على إظهار نفسها أنها امرأة ذات لمسة ناعمة يمكن أن تشفي علل البلاد، فتسلمت إدارة الملف الاقتصادي من خلال رئاستها للفرقة المالية التابعة للقصر الجمهوري، فوجهت أنظارها إلى آل مخلوف لتبدأ بشن هجمات متفاوتة عليهم عبر لجنة مكافحة غسيل الأموال التي استحدثتها، وعيّنت زوجها رئيساً عليها، ليتضح أن أسماء تريد الحصول على ما أسسته أنيسة ولكن على طريقتها، وذلك للسيطرة على إمبراطورية مخلوف الاقتصادية التي توازي أموالها ميزانية سورية بأكملها، وأثناء ذلك طالبت روسيا بأموالها من الأسد الذي عجز عن الدفع والسداد، فأشارت إليه أن يدفع من أموال رامي مخلوف المخبأة في الخارج، ليرفض رامي دفع المبلغ، وهنا تفجر الخلاف وظهرت أسماء من جديد للواجهة، فلعبت دوراً بارزاً بوضع ضرائب بمليارات الليرات على شركاته، وقبل ذلك أدخلت أقاربها من آل الأخرس وآل الدباغ وغيرهم للاقتصاد السوري، فنجحت بتحجيم إمبراطورية مخلوف ثم ابتلعتها بمشاركة الروس الذين يبدو لهم ثلثا الخاطر في الذي تديره أسماء الأسد، مع استمرار رامي مخلوف في الظهور فيسبوكياً مناشداً سيده الرئيس إنصافه من أشخاص يريدون بلع اقتصاد الوطن.

فأصبح الصراع على أشده بين الحرس الاقتصادي القديم الذي يمثله آل مخلوف المسنود علوياً وإيرانياً، وبين تيار أسماء المدعوم روسياً، واستطاع الأخير السيطرة على إمبراطورية رامي السورية، فتحولت أملاك الدولة السورية من سارق إلى آخر.

صراع الحلفاء

مع مساعدة الحلفاء الدبلوماسية والعسكرية له على شعبه، أصبح الأسد أقرب إلى مستعمرة روسية - إيرانية، ثم بدأت وسائل الإعلام الروسية ذات العلاقات الوثيقة بالكرملين انتقاد الأسد بطرق لم يكن من الممكن تصورها قبل أعوام، معتبرة إياه رئيساً يرعى الفاسدين، وطالبته بسداد الديون الروسية عليه، وفي المقابل طالب مسؤولون إيرانيون الأسد بمبلغ 30 ملياراً صرفوها على قتل الشعب السوري وتشريده، أو تعويضهم باستثمارات في عقود طويلة الأمد في القطاعات الاقتصادية الحيوية.

وكلاهما يعلم بعدم قدرة الأسد على السداد، فاحتدم التنافس بينهما للسيطرة على القطاعات الحيوية السورية مقابل الأموال التي صرفوها، ما أدى ذلك الضغط لرضوخ الأسد لتنفيذ مطالبهما السياسية والاقتصادية والعسكرية، في الوقت ذاته يعلم الأسد أن مفاصل الاقتصادي السوري تحت سيطرة شركات ابن خاله رامي مخلوف، وعيون الحلفاء مصوبة تجاهه، فكانت هذه فرصة لروسيا لمقايضة أملاك مخلوف بديونها، بينما تخسر إيران أهم حلفائها، ولذلك يعود التنافس الروسي - الإيراني في سورية إلى صراع عسكري وآخر اقتصادي.

1- صراع عسكري: أثار حفيظة روسيا بدء إيران مشروع بناء خط سكة حديد (شلمشة) الذي يربط طهران باللاذقية من خلال محطات في البصرة والبوكمال ودمشق، ما يسبب بعزل قاعدة حميميم عن القوات الروسية في وسط وجنوبي سورية، ويمكّن طهران من إيصال الأسلحة والذخيرة بسرعة إلى ميليشياتها في اللاذقية، فتنبهت روسيا لهذا الخطر، وأرادت من خلال سيطرتها العسكرية أبعاد إيران عن مناطق نفوذها، وقامت بتفكيك الميليشيات المسلحة لجمعية البستان التابعة لرامي مخلوف والموالية لإيران وعدد عناصر 22 ألفاً.

كما قامت بدمج الميليشيات فيما أسمته الفرقة 25 للقوات الخاصة، ومن بينها ميليشيا «قوات النمر» الخاضعة لأوامر رامي مخلوف، حليف إيران، وبذلك منعت إيران من استخدام «قوات النمر» عبر مخلوف لبناء معقل عسكري موازٍ لميليشيات الأسد.

وأمرت روسيا الأسد بتغيير كبار الضباط الموالين لإيران واعتماد الخطط العسكرية التي يقرها الجيش الروسي، ثم أمرت الأسد باعتقال اللواء غسان بلال رئيس مكتب شقيقه ماهر، قائد الفرقة الرابعة والابن البار لإيران التي كانت ستوليه رئاسة الاستخبارات العسكرية قبل اعتقاله، مما أزعجها ذلك.

2 - صراع اقتصادي: تسعى روسيا إلى تقديم الأسد كرمز للاستقرار في سورية قادرٍ على جذب مليارات الدولارات التي تستعد الشركات الروسية لاستقبالها في إطار إعادة إعمار سورية، لكن هذا لن يكون ممكناً بسبب عمل أقارب الأسد كمافيات، ودعمهم القـوات الإيرانية، وعلى رأسهم رامي مخلوف الذي يتحكم وأسرته بالمشروعات الحيوية والاستراتيجية في سورية، ويمتلك أكبر شبكة اتصالات في البلاد، ويعد صديقاً وفياً لإيران، ما جعله هدفاً لروسيا التي تريد التوسع في سيطرتها الاقتصادية على حساب حليفتها، فصوبت روسيا أنظارها تجاه محيط مدينة كسب السياحية حتى البحر لإقامة قاعدة عسكرية روسية على الحدود التركية، ومينا البيضا بالقرب من اللاذقية لتحويله لميناء روسي سياحي كبير، ومنطقة البحوث البحرية مع امتداد قرية الصيادين، وهي منطقة سياحية للفنادق والمنتجعات، ومنطقة الصنوبر، وهي منطقة اصطياف لإقامة مشروعات سياحية روسية، ومنطقة المنطار جنوب طرطوس وصولاً إلى وادي خالد، ومناطق أخرى في حلب وحماه، وجميع هذه المناطق توجد لمخلوف أملاك واسعة فيها.

إذاً هناك صراع اقتصادي بين الحليفتين، فروسيا تسعى إلى الانفراد في هذه المشروعات لمصلحة شركاتها، حتى تصبح نموذجاً للنجاح في هذا المجال، وتجني ثمار ذلك في دول أخرى في المنطقة.

بينما إيران في المقابل تعي ذلك جيداً، وعلت أصوات رسمية فيها تتهم الحليفة روسيا بأنها تسعى منفردة للاستحواذ على الأصول الاقتصادية والإستراتيجية بحجة استيفاء مستحقاتها المالية، وأن الروس لا ينظرون إلى الإيرانيين كشركاء على الأراضي السورية، كما أنهم يخططون للسيطرة على الاتصالات وصناعة البتروكيميائيات والموانئ والسياحة.

لكن الثابت الوحيد والأكيد أن الإيعاز الروسي بتصفية النفوذ الإيراني في سورية قد بدأ يؤتي ثماره.

وكما مثّل صعود رامي مخلوف جزءاً من تحول في بنية النظام السوري، فإن أفوله اليوم ومحاولات تحجيمه وإزاحته عن الساحة الاقتصادية، قد يشير إلى بدايات وملامح تحوّل جديد تمثل بتصاعد أثر العقوبات الاقتصادية واقتراب فرض قانون قيصر، مقابل ضغط الحلفاء الاقتصادي في إطار استرداد فاتورة التدخل العسكري، والتزاحم على التغلغل في بنية الاقتصاد السوري والتنافس على تحصيل عقود طويلة الأمد في قطاعاته الحيوية.

رامي على الفيسبوك

منذ بداية انتفاضة الشعب السوري عام 2011م، حذر رامي مخلوف الغرب من عدم الاستقرار والفوضى إذا سقط النظام السوري، قائلاً: «إذا لم يكن هناك استقرار هنا فلن يكون هناك أي استقرار في إسرائيل»، فربط استقرار إسرائيل بوجود الأسد رئيساً لسورية.

ظهر مخلوف في فيديوهاته الثلاثة ونشراته الفيسبوكية محذراً ابن عمته الأسد من مصادرة أملاكه، قائلاً: «في حال استمر الأمر على هذا النحو سيكون الأمر خطيراً»، معلناً عدم رضوخه للضغوط وعدم تنازله عما يملكه، والذي هو حسب تعبيره «جني العمر»، وأن الكثير من هذه الأموال ليست له، بل هو «مؤتمن عليها في ابتلاء إلهي»، وأضاف مصعداً نبرته: «نحن أمام تفاصيل لن نكون قادرين على السيطرة عليها إذا ما استمرت الضغوط علينا «والتي أصبحت غير مقبولة ولا إنسانية»، متوعداً بأيام قادمة «ستكون صعبة وأنا جاهز لها»، وموجهاً رسالة إلى الطائفة العلوية من خلال استخدام كلمات معينة لها دلالاتها، قائلاً: «لا تدعوا الآخرين يتحكموا بقراراتكم»، في إشارة واضحة إلى "أسماء الأخرس السُّنية"، كما عبر عن استغرابه من تصرفات الأجهزة الأمنية مع شركاته ومؤسساته، متسائلاً: «هل كان يتوقع أحد أن تستهدف الأجهزة الأمنية شركات رامي مخلوف، الذي كان أكبر داعم لها، وخادمها الرئيس، وأكبر راعٍ لها خلال الحرب».

فمثّل هذا التصريح اعترافاً صريحاً وواضحاً بدعمه المخابرات وأمن الدولة في سورية، والمسؤولة عن ارتكاب جرائم حرب بحق المدنيين، الأمر الذي دفع غرف العدل الدولية وعدّة منظمات وجهات حقوقية وقانونية، تطالب بضرورة محاسبة رامي مخلوف لدوره في المجازر المرتكبة.

فظهور رامي مخلوف خرج عن المألوف لناحية سلوك أحد رموز النظام في التعاطي مع الإشكاليات الداخلية وتصديرها، وحمل الكثير من الرسائل والدلالات في إطار تشويه سمعة النظام وأركانه ورموزه ضمن دائرة الحكم، خصوصاً الطائفية، بينما في المقابل النظام هو من مكّن رامي ليصبح غنياً، والنظام نفسه يخبره أن عليه أن يعيد الأموال، لأنه انتهك عدالة القسمة بأخذ أكثر مما ينبغي، والسيناريو الأفضل لمخلوف هو خسارة كل شيء وإنقاذ مستقبله، فما تنازل عنه لغاية الآن لا يكفي، لأن العمل مع الأنظمة العسكرية البوليسية معروف النتائج، كلما ظهرت رأس قوية يجب استبدالها، للبرهنة لرجال الأعمال والتابعين الآخرين أن لا أحد أقوى من الأسد، مهما ظن أنه مقرب أو ذو نسب.

وختاماً، النظام السوري أبعد ما يكون عن محاولة وضع حد لمظاهر الفساد والهدر، وإنما في واقع الأمر حرب نفوذ اقتصادية لا تخلو من خلفيات سياسية داخلية وخارجية، ولعل أغلب تحركات النظام على مستوى المحاسبة، هو الغطاء الروسي، خصوصاً في الأمور التي تستدعي صداماً مع مراكز القوى داخل الطائفة، واحتواء أي آثار محتملة لهذا الصدام.

محمد مخلوف وبداية التحالف السياسي والاقتصادي (العربية نت)
رفعت الأسد طمع بحصة أكبر في صفقات الفساد فانتهى للمنفى
خلاف بشار ورامي يكشف فصلاً طويلاً من الفساد في سورية