هناك تجربة إيجابية للعديد من الجامعات الأميركية تسمى برنامج "القراءة المميزة"، حيث تحدد كل جامعة مجموعة من الكتب غير التخصصية والمتعلقة بالثقافة العامة، وتشترط أن يقرأها الطلاب خلال الإجازة الصيفية، وخاصة الطلاب الجدد الذين يلتحقون بالجامعة للمرة الأولى، وكذلك الطلاب المحولون من جامعات أخرى. بالإضافة لذلك تقوم بعمل جلسات نقاش حول هذه الكتب يحضرها الطلاب مع مشرف جامعي، وتناقش أهم الأفكار الواردة فيها، وكثيراً ما يستضاف مؤلفو الكتب لحضور جلسات النقاش مع الطلاب والحوار معهم.

الملاحظة الثانية بخصوص هذا البرنامج تتعلق بنوعية ومحتوى الكتب التي يتم تحديدها، وكثيرًا ما تتضمن هذه الكتب قضايا عامة ومحلية، بالإضافة إلى أعمال أدبية وروائية. على سبيل المثال، اختارت جامعة شهيرة في ولاية كاليفورنيا الأميركية ثلاثة كتب كي يقرأها الطلاب في إطار هذا البرنامج للعام الدراسي الجديد، وستعقد جلسات النقاش عنها في الأسبوع الذي يتعرف فيه الطلاب على الجامعة وقبل بدء الدراسة مباشرة.

محور الكتب الثلاثة هو فكرة المدن، ويدور أحدها حول مدينة سان فرانسيسكو التي تقع الجامعة بالقرب منها، والتحولات التي مرت بها المدينة، وكيف أصبحت ومعها وادي السيلكون المجاور لها مركزاً للتقدم التكنولوجي ومحرك الاقتصاد الجديد في الولايات المتحدة. كما يقدم الكتاب صورة اجتماعية وسياسية للمدينة، وكيف أدى الثراء الكبير الذي حل بها إلى أن أصبحت أقل تنوعًا وأكثر مشكلات.

أما الكتاب الثاني، فعنوانه المدينة العادلة، ويضم عدداً من المقالات لمجموعة من المهندسين المعماريين والفنانين ونشطاء المجتمع وعلماء البيئة ورؤساء البلديات وعلماء الاجتماع حول تغيير وتطوير المدن من الجوانب المختلفة. أما الكتاب الثالث، فهو رواية يتعلق موضوعها بالهجرة إلى المناطق الحضرية والتحديات التي يواجهها أشخاص الرواية في هذا المحيط الجديد.

الهدف الرئيس من برنامج القراءات هو المساهمة في خلق الشخصية المتكاملة للطالب، وزيادة وعيه بالقضايا العامة والمحلية. ويتم ذلك بعيدًا عن أي عملية للتلقين أو فرض آراء معينة عليه، هذه التجربة تطرح علينا أسئلة كثيرة عما يجب أن يقرأه الطالب الجامعي خارج نطاق تخصصه المحدود، خاصة أن نظام التعليم الجامعي لدينا مازال يعمل بنظام الكليات المستقلة، وليس الأقسام المتنوعة في إطار الجامعة الواحدة، بمعنى أن الطالب الذي يلتحق بكلية ما يظل أسيرًا داخل جدرانها.

وبالتالي يصبح السؤال: هل يمكن تطبيق برنامج مماثل للقراءات العامة في الجامعات السعودية، على الأقل في العام الأول، وبما يسهم في توسيع أفق الشباب، وزيادة وعيهم بالقضايا العامة والمحلية، وتذوقهم للثقافة والأدب، وبث روح البحث والنقاش فيهم، وهي صفات يجب أن تكون جزءًا من تجربة التعليم بالجامعة؟! يضاف لذلك أن تطوير التعليم الجامعي في العالم أصبح يقوم على فكرة الجمع بين التخصص الدقيق والرؤية العامة، بحيث يستطيع الطالب أن يرى صورة الغابة بأكملها وفي نفس الوقت يحدد تفاصيل بعض أشجارها.