إحدى التداعيات الكبرى لجائحة كورونا هو تأثيرها على الأمن القومي، وقيام العديد من دول العالم بإعادة ترتيب أولوياتها الأمنية استناداً للتهديدات الجديدة التي تعرضت لها أثناء هذه الأزمة، أحد هذه التهديدات هو ما يتعلق بالأمن الغذائي.

بالرغم من أن العالم لا يعاني عجزاً في إنتاج الغذاء، وهناك فائض من السلع الزراعية يتم تصديره لمن يحتاجه، إلا أن أزمة كورونا أثرت على صادرت الغذاء نتيجة لعاملين، الأول هو توقف حركة النقل بشكل كبير نتيجة الإغلاق وإجراءات السلامة الصحية، أما العامل الآخر فهو قيام عدد من دول العالم المصدرة للغذاء بوضع قيود على صادراتها من المنتجات الزراعية من أجل ضمان أن يكون هناك إمدادات كافية لمواطنيها في الداخل، وخاصة أن لا أحد يعرف المدى الزمني الذي سوف تنتهي فيه هذه الأزمة.

ووفقاً لتقرير نشر حديثاً في جريدة الوول ستريت الأميركية، فإن الهند - على سبيل المثال - وهي واحدة من أكبر مصدري الأرز في العالم، وتذهب صادراتها للعديد من الدول في إفريقيا وآسيا، فإنها استطاعت شحن ما بين 15 ٪ و20 ٪ فقط من حجم صادراتها الطبيعية من الأرز، والسبب في ذلك - وفقا للمسؤولين - هو مشكلات لوجيستية، ففي الماضي كان هناك سفينة متاحة كل يومين أو ثلاثة، أما الآن فهناك سفينة واحدة كل أسبوعين.

ولكن من ناحية أخرى، قامت الدول التي تبيع الأرز في الأسواق العالمية بفرض قيود على الصادرات، حيث أوقفت فيتنام، ثالث أكبر مصدر للأرز في العالم، جميع السفن في مارس، كما فرضت ميانمار وكمبوديا قيودًا مشابهة، وأوقفت روسيا، وهي أكبر مصدر للقمح في العالم، صادرتها من القمح حتى يوليو، وكذلك وضعت أوكرانيا وكازخستان ورومانيا قيوداً على مبيعاتها، وأدى ذلك إلى ارتفاع بعض أنواع الأرز بنسبة 14 ٪ وأنواع للقمح بنسبة 7 ٪ على الرغم من توافر المحصولين.

ولم يكن الأمر قاصراً على القمح والأرز فقط، بل تم وضع قيود على تصدير العديد من السلع الأخرى، وحذر برنامج الغذاء العالمي من أن ما يقرب من ثلاثين دولة قد تواجه المجاعات بحلول نهاية العام، وأن العديد من بلدان العالم، غنية وفقيرة، تواجه تحديات كبيرة في حصول سكانها على ما يكفي من الطعام في الأشهر والسنوات القادمة.

بالرغم من أن البعض يرى أن أزمة الإمدادات الغذائية هي أمر مؤقت، سينتهي مع عودة فتح الحدود وحركة النقل، إلا أن القضية الأكبر هي أن جائحة كورونا قضت على فكرة أن الأسواق الدولية قادرة دائماً على حل المشكلات، وأن القواعد المرتبطة بحرية التجارة سوف تتيح للدولة المستهلكة الحصول على احتياجاتها من هذه الأسواق، حيث لم يتيسر ذلك، كما أعطت الدول المصدرة الأولوية لاحتياجات مواطنيها، هذا التطور سوف يجعل قضية الأمن الغذائي وتحقيق أكبر قدر من الاكتفاء الذاتي في السلع الاستراتيجية (ليس فقط الغذاء، ولكن أيضاً الأدوية والمستلزمات الطبية... وغيرها) ضمن أولويات الأمن القومي للعديد من دول العالم.