الجميع يعلم أن القرارات التصحيحية الأخيرة التي اتخذتها الدولة مؤخراً كانت استجابة لظروف عصيبة اجتاحت العالم كله وأن الضرورة قد فرضت علينا وعلى الدولة أحكامها، وصاحب البصيرة يعلم أن الدولة حينما اضطرت إلى اتخاذ إجراءات التقشف اختارت أخف الضررين وقررت ما قررته على مضض.

وحتى لا يكون الحديث عائماً فضفاضاً لا دليل عليه فدونَكم هذه الوقفات:

1- إن حكومة المملكة العربية السعودية - وبما تملكه من ملاءة مالية وسمعة اقتصادية حسنة في المجتمع الدولي - تستطيع الاقتراض من المؤسسات المالية العالمية ما شاءت من الأموال لتدبير شؤونها دون أن تطلب من المواطن القيام بواجبه تجاه وطنه.. وهذا قد يكون مريحاً في الأمد المنظور.. ولكنها آثرت النأي بنفسها عن هذا الخيار.

2- كان بإمكان الدولة أن تفرض (ضرائب دخل) على أصحاب الدخول المرتفعة وعلى أرباح الشركات وهذا يبدو للوهلة الأولى أمراً سهلاً وصائباً، ولكن تحاشت فرض هذا النوع من الضرائب الذي ربما يكون ذريعة للبعض للاستثمارات في دول توفر تسهيلات ضريبية وتمويلية وهو ما قد يسبب زيادة في بلدهم طوابير العاطلين ممن ينتظر العمل، فضلاً عن أنه قد يخيف المستثمر الأجنبي من الاستثمار في المملكة في الوقت الذي تتسابق فيه الدول على طمأنة المستثمرين وإغرائهم بالإعفاءات الضريبية، وهذا أيضاً يجفف المصارف من العملة الصعبة التي يأتي بها المستثمرون وتحتاجها الدولة للاستيراد من الخارج، لذا لجأت الدولة إلى (ضريبة القيمة المضافة) التي قد تكون مؤلمة بعض الشيء إلا أن من الممكن التكيف معها إما بترشيد الإنفاق غير المهم من قبل المستهلك أو بامتصاص بعضٍ من تأثيرها من قبل التجار أنفسهم، فالتاجر الذكي يتحمل أحياناً جزءاً من الضريبة عن المستهلك لترويج بضاعته.

3- إن حكومة المملكة كان يسَعُها الاستمرار في الاعتماد على النفط سنوات طويلة والتأقلم مع تذبذب أسعاره وأن تقوم لوحدها بدور المنتج المُرجح وتخفض الإنتاج أو تزيده كما كانت تفعل سابقاً للحفاظ على أسعار النفط، ولكن هذه السياسة لم تعد مجدية الآن بسبب كثرة المنتجين والذين يستغلون تخفيض إنتاج المملكة والمزاحمة على حصتها في الأسواق والاستحواذ على زبائنها كما لم يعد من الحكمة الاعتماد الكامل على النفط وحده؛ فالنفط ليس في مأمن من النضوب ولا من التقلبات الحادة في أسعاره. والعالم اليوم يسعى حثيثاً لتوفير بدائل أقل كلفة وأكثر ملاءمة للبيئة من النفط الخام.

4- حكومة المملكة كان باستطاعتها تأجيل هذه القرارات الصارمة على أمل أن تتحسن المعطيات الاقتصادية في المستقبل ولكن العارف بفلسفة القيادة الشابة وطريقتها في تصريف شؤون البلاد يعلم أنها لا تغامر بمصلحة الوطن بجعله رهينة للمستقبل المجهول ولا تراهن على ظروفٍ اقتصادية قادمة لا ندري هل تتحسن أم تزداد سوءاً؛ وقيادتنا الحكيمة لا تترك المشكلات تتفاقم إلى أجلٍ غير معلوم.

وفي الختام يجب أن نعلم أن هذا الوطن ليس مُلكاً لنا وحدنا ولا للجيل القادم وحده.. بل هو مُلك لأجيال قادمة تنتظر دورها للعيش في ظله، والتنعّم بخيره وأمنه، واستلام الراية من بعدنا للدفاع عنه والحفاظ عليه.. هذه الأجيال المُنتظِرَة يجب أن نخطط لها جيّداً مهما كانت التضحيات.. ومهما كان الألم.