تحل علينا الذكرى الثالثة لبيعة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع - حفظه الله - لتسطر عاماً جديداً من العمل والجهد والتنمية والبناء والعزم والحزم، في وقت تلعب فيه المملكة دوراً مهماً في المنطقة والعالم، وتنعم بالأمن والاستقرار وتتطلع بكل تفاؤل إلى مستقبل أكثر إشراقاً وطموحاً.

وفي هذه المناسبة الطيبة، قال السفير د. عزت سعد، مدير المجلس المصري للشؤون الخارجية، وسفير مصر الأسبق في روسيا: إنه ممَا لاشك فيه أن من زار المملكة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، لابد أن يلحظ عمق التغيرات المجتمعية التي طرأت على المملكة منذ أصبح الأمير محمد بن سلمان ولياً لولي العهد في 29 أبريل 2015، ومن ثم ولياً للعهد في 21 يونيو 2017، (26 رمضان 1438هـ)، وتبنيه مجموعة من الخطط والرؤى الإصلاحية والتي كان قد بلورها في وقتٍ سابق ضمن "رؤية المملكة 2030".

وأضاف السفير عزت لـ"الرياض" أن هذه المقاربة تمتد لتشمل ليس التخلي عن بعض الممارسات والتقاليد التي لم تعد تتفق والطموح الذي تسعى إليه شريحة واسعة من المجتمع السعودي، لاسيَما الشباب الذين تلقوا تعليمهم في أفضل الجامعات، والمراكز العلمية حول العالم، ويطمحون في تقديم صورة إيجابية عصرية عن المجتمع الذي ينتمون إليه، وصورة معتدلة للإسلام الوسطي ينفي عن المملكة، فعلاً لا قولاً، ما يتردد عن دعمها للتشدد.

وقد تجسّدت طموحات هؤلاء وأحلامهم في رؤية الأمير ولي العهد للمملكة (2030)، سواءٌ تعلق الأمر بتحقيق إصلاحات داخلية جذرية تشمل كل مناحي الحياة، بجانب التحديات التي يواجهها العالم- والمملكة جزءٌ منه- على مختلف الأصعدة، والسعي لبلورة استراتيجية للسياسة الخارجية للدولة السعودية تتناسب مع ثقل المملكة التاريخي ووزنها الجيواستراتيجي. ومن الطبيعي أن تتم الإصلاحات الداخلية من خلال عملية تدريجية تأخذ في الاعتبار طبيعة المجتمع السعودي المحافظة، وحقيقة أن بعض الممارسات والتقاليد قائمة منذ عقود طويلة، وبالتالي لابد من اتباع نهج إصلاحي تدريجي خصوصاً أن ولي العهد فتح الباب أمام عملية إصلاحٍ شامل وعلى المجتمع ألا ينهل منها إلاً بقدر ما تستوعبه عملية السلام الاجتماعي، والمصالحة بين تقاليد الماضي وتحديثات المستقبل.

وأشار إلى أن المقابلات الصحفية العديدة التي أجراها الأمير محمد بن سلمان مع وسائل الإعلام المحلية والدولية يُستفاد منها أن رؤيته التحديثية للمملكة تقوم أساساً على ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية في بلاده، أي الدولة التي يتساوى فيها أمام القانون جميع المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية أو الدينية. وفي هذا السياق، يؤكّد ابن سلمان أن المواجهة مع ما وصفه بـ"ثلاثي الشر": النظام الإيراني- وهو شرٌ مطلق- والإخوان المسلمين، والجماعات الإرهابية، هي مواجهة بين الدولة الوطنية السعودية، وهذا الثلاثي بعيد عن الدين.

ولفت إلى أن الأمير محمد بن سلمان سعى إلى إحداث عدد من التغييرات كان أهمها الحريات التي اكتسبتها المرأة من خلال السماح لها بقيادة السيارة في 26 سبتمبر 2017، فضلاً عن إجراءات السياسة الترفيهية، خصوصاً أن طموح التحديث الاقتصادي الشامل ليس ممكناً من دون أساس ثقافي واجتماعي، من جانب، والسعي لأن تكون الهوية السعودية جزءاً من الهوية العالمية من جانب آخر. وقد جاء الاهتمام بالشباب كمحرك أساسي للتنمية، وتنمية مواهبهم من خلال برامج لتنمية وتطوير الموارد البشرية، وضمان مشاركتهم الفاعلة في إدارة قطاعات الدولة، وتعزيز روح القيادة لديهم، والاستماع إلى تطلعاتهم ومساعدتهم في رسم السياسات المتعلقة بتوظيف السعوديين وسعودة الوظائف في منشآت القطاع الخاص، ودعم مواهبهم في مختلف المجالات الثقافية والفكرية والرياضية والإبداعية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، استهدف برنامج الإصلاح الاقتصادي تنويع مصادر الدخل عن طريق إنشاء مناطق صناعية، وخلق فرص عمل جديدة في مجال التسليح والبنى التحتية، وتخصيص جزء من الشركات القومية، كما هو الحال مع شركة أرامكو، حيث تم طرح أسهمها للتداول في البورصة والاكتتاب العام. إن رؤية 2030 تخلص إلى أهمية الشفافية ورفع الكفاءة الحكومية من خلال مجموعة من المحاور تقود إلى سياسات، والتي سيحرص الأمير على تنفيذها. وفي هذا السياق، يبرز مشروع نيوم، والذي أطلق في 24 أكتوبر 2017، الذي يقدٍم رؤية جديدة للاقتصاد السعودي، في إطار رؤية المملكة الطموحة 2030 والمشتملة على ثلاثة تقسيمات رئيسية هي: اقتصاد مزهر ومجتمع حيوي ووطن طموح، والعمل على تحقيق ذلك من خلال رفع نسبة الصادرات غير النفطية من 16 % إلى 50 % ورفع نسبة الاستثمارات الأجنبية المباشرة من 3.8 % إلى 5.7 % والانتقال للمراكز العشرة الأولى في مؤشر التنافسية العالمية، فضلاً عن رفع قيمة أصول صندوق الاستثمارات العامة من 600 مليار إلى ما يزيد على 7 تريليونات ريال بالإضافة للارتقاء بمؤشر رأس المال الاجتماعي، وزيادة إنفاق الأسر على الأنشطة الترفيهية، وزيادة عدد المواقع الأثرية المسجلة في اليونسكو، ورفع نسبة مساهمة القطاع غير الربحي من إجمالي الناتج الإجمالي، ورفع نسبة الإدخار من 6 % إلى 10 % فضلاً عن الوصول للمركز الـ20 في مؤشر فاعلية الحكومة من المركز الـ80 ووضع إطار للحوكمة لضمان العمل المؤسسي، ورفع كفاءته وتسهيل التنسيق بين مختلف الجهات.

ويمثّل مشروع نيوم، بجانب منافعه الاقتصادية، منافع سياسية تتمثل في تحقيق الترابط والتكامل مع شركاء المملكة، خصوصاً أنه منطقة خاصة تقع شمال غرب المملكة، وتمتد بين ثلاث دول داخل الحدود المصرية الأردنية بمساحة إجماليه 26.500كم2، وهو مملوك بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، ويتمتع المشروع بمزايا فريدة تعتمد على القرب من الأسواق ومسارات التجارة العالمية التي يمر منها نحو 10 % من البحر الأحمر وسيعمل المشروع على الربط بين سكان آسيا وأوروبا وإفريقيا وأميركا، وهو ما سيتيح لنحو 70 % من سكان الموقع الوصول للموقع خلال ثماني ساعات كحد أقصى. ويشتمل المشروع، المقرر الانتهاء من مرحلته الأولى عام 2025، على تسعة قطاعات اقتصادية رئيسية تتمثل في مستقبل الطاقة والمياه والاعتماد بشكل كامل على الطاقة المتجددة وحلول تخزين الطاقة، ومستقبل التنقل شاملاً الموانئ البحرية إضافة للمطارات، وحلول أخرى للنقل الذاتي كالمركبات ذاتية القيادة والطائرات بدون طيار، واستخدام تقنيات صديقة للبيئة لتعزيز آلية استخدام المياه بأكفأ الطرق، فضلاً عن مشروعات تشمل مستقبل التقنيات الحيوية، والتقنية الحيوية البشرية، وصناعة الأدوية. ومستقبل الغذاء حيث سيشمل المشروع إقامة مركز عالمي لابتكار التقنيات الغذائية بما فيها الزراعة باستخدام مياه البحر والزراعة المائية والهوائية والصحراوية، بالإضافة لمستقبل التصنيع المتطور باستخدام المواد المستحدثة، والطابعات ثلاثية الأبعاد وصناعات الروبوتات والمركبات.

ويضم المشروع تصوراً واضحاً لمستقبل تطوير صناعة الإنتاج التلفزيوني والسينمائي، وتطوير للمحتوى الرقمي، وتطوير صناعة ألعاب الفيديو، وإقامة المنشآت والأنشطة والفعاليات الترفيهية، والرياضية والثقافية، ومشروعات خاصة بمستقبل العلوم التقنية والرقمية تشمل الذكاء الاصطناعي، وتقنيات الواقع الافتراضي، ومراكز البيانات والتجارة الإلكترونية، فضلاً عن مشروعات خاصة بسبل النهوض بمعيشة الفرد من خلال التركيز على المشروعات التي تركز على حياة الفرد.

وعلى الصعيد الاستثماري، فقد أدت الإجراءات المتخذة لتحسين المناخ الاستثماري في البلاد إلى ارتفاع معدلات الاستثمار الأجنبي الجديدة في المملكة بنسبة 54 % خلال عام 2019 مقارنةً بعدد الرخص التي تم إصدارها في عام 2018، وبإجمالي 1,130 شركة جديدة، محققة بذلك إقبالاً غير مسبوق على مستوى الاستثمارات الأجنبية خلال العشرة أعوام الماضية. وتصدرت الشركات الأجنبية من الهند والولايات المتحدة والصين وبريطانيا وفرنسا ومصر والأردن الدول الأكثر استثماراً في المملكة خلال العام 2019، فيما تصدرت قطاعات التصنيع والبناء والاتصالات وتقنية المعلومات القطاعات الأكثر إقبالاً، حيث ارتفع الطلب على هذه القطاعات، إلى جانب تطوير البنية التحتية مدفوعاً بالتقدم الذي تم تحقيقه في المشروعات العملاقة التي تشهدها المملكة تماشيًا مع رؤية 2030، إذ تم خلال عام 2019، تأسيس 193 شركة إنشاءات و190 شركة تصنيع و178 شركة تقنية معلومات واتصالات جديدة.

ولعل قرار تحويل هيئة الاستثمار إلى وزارة مستقلة يعد من أبرز القرارات التي تؤكّد اهتمام المملكة بهذا الأمر، فضلاً عن قرار تشكيل لجنة "تسيير" التي تضم أكثر من 20 جهة حكومية تعمل من أجل تحسين قطاع الأعمال في المملكة من خلال إطلاق حزم من الإصلاحات تمكّن الاستثمارات من النمو والتوسع، وأشارت تقارير وزارة الاستثمار إلى نمو الاستثمارات الأجنبية في النصف الثاني من عام 2019 بنسبة تتجاوز 103 في المائة، وهذه الاستثمارات تجاوزت قيمتها 4680 مليون ريال سعودي (1249 مليون دولار).

وقد انعكست هذه الإجراءات بدورها في تمكن السوق المالية السعودية من الوصول للمؤشرات العالمية وتصنيف الأسواق الناشئة، من خلال الانضمام إلى ثلاثة مؤشرات رئيسية: مؤشر مورجان ستانلي للأسواق الناشئة، ومؤشر ستاندرد آند بورز، ومؤشر فوتسي راسل.

وفي إطار سياسة الحكومة لمكافحة الفساد، شكَل الملك سلمان ما عُرف باللجنة العليا لمكافحة الفساد برئاسة ولي العهد، الأمير محمد، شنت حملةً واسعة في هذا الشأن، وانتهى عمل اللجنة في يناير من عام 2019م باستعادة 400 مليار ريال سعودي تم إيداعها في الخزينة السعودية، حسبما تداولته وسائل الإعلام.

والواقع أن المملكة في إطار تنفيذها لبرنامج الإصلاح الاقتصادي عمدت إلى تحقيق أعلى معايير الشفافية الدولية في كافة المجالات ومن ضمن الإجراءات المتخذة وتحديداً في النظام المالي السعودي، تتم متابعة مؤشرات قياس أدوات الدين في المملكة من خلال التعاون مع الجهات المختصة لقياس أداء الصكوك الحكومية، وأدوات الدين الحكومي، فضلاً عن مؤشر رئيسي يجمع بين جميع أدوات الدين الحكومية، وكذلك الشركات المختلفة، فضلاً عن مؤشرات تسعير جديدة للسندات.

وحتى يمكن وضع السياسات الإصلاحية والتحديثية موضع التنفيذ، تم إجراء تعديلات جذرية في الهيكل الإداري شمل إنشاء ثلاث وزارات جديدة بعد تحويل الهيئة العامة للاستثمار إلى "وزارة الاستثمار" والهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني إلى "وزارة السياحة"، والهيئة العامة للرياضة إلى وزارة باسم "وزارة الرياضة"، وضم وزارة الخدمة المدنية إلى وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، لتكون "وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية". فضلاً عن تعزيز الاستثمارات في القطاع السياحي، وتعزيز مكانة الدولة كوجهة سياحية. كل ذلك مكّن المملكة من تعزيز الإمكانات الاقتصادية والارتقاء بمستوى الخدمات المعيشية، فضلاً عن تحقيق المملكة المركز الأول عالميًا في إصلاحات بيئة الأعمال، وتعزيز التنافسية في هذه البيئة محليًا ودوليًا، وتحسين أداء المشروعات في القطاع الخاص، الأمر الذي ساهم بدوره في تحقيق معدل نمو إيجابي عام 2019 متأثراً بنمو القطاع غير النفطي في البلاد، بنسبة 0.33 % ليبلغ 2.64 تريليون ريال بزيادة قيمتها 8.7 مليار ريال عن العام 2018، ويأتي هذا النمو رغم انكماش القطاع النفطي بنسبة 3.65 % عام 2019، والتزام السعودية بقرارات خفض إنتاج النفط الذي قررته مجموعة أوبك + من أجل دعم الأسعار في السوق. والواقع إن هذا يتواكب بدوره مع قرارات الإصلاح التي اتخذتها الحكومة السعودية التي أعلنت عن توجهها لتنويع الموارد الاقتصادية، وتحرير الاقتصاد السعودي من الارتباطات المتعلقة بالتقلب في سوق النفط على نحو ما سبقت الإشارة إليه.

وفي نهاية تصريحاته أكد السفير د. عزت سعد لـ"الرياض" أن الاحتفال بمرور ثلاث سنوات على تنصيب الأمير محمد بن سلمان ولياً للعهد، ورغم ما يمر به العالم اليوم من أزمة هددت الاقتصاديات والقوى الكبرى في العالم، إلا أن الدولة السعودية تمكنت من تحقيق الأمان لشعبها، وتطبيق الإجراءات الاحترازية لمواجهة الوباء العالمي من دون المساس بمستوى المعيشة والخدمات المقدمة مع تقديم أعلى مستوى من المعايير الصحية، وتقديم المنح والدعم المجتمعي حتى لا تتأثر دخول الأفراد، وهو ما لم يكن ممكناً في غياب خطة ولي العهد الإصلاحية ورؤيته التحديثية، وتفاعل المواطن السعودي مع الحكومة، وثقته في سياساتها، حيث يمكن الاقتصاد السعودي من امتصاص الأزمة التي تعاني منها كل دول العالم.