تابعنا بكل اهتمام وأسف مباشرة هيئة الرقابة ومكافحة الفساد 117 قضية فساد مالي وإداري خلال شهر رمضان المبارك لهذا العام 1441هـ، وتأكيد الهيئة ملاحقتها كل ممارسات منطوية على فساد مالي أو إداري من شأنها تقويض جهود الدولة الرامية لدعم وتعزيز مسيرة التنمية الشاملة، والتصدي للمفسدين بالعدالة لتحقيق النزاهة.

ويعد الفساد مشكلة عالمية تكاتف الدول للقضاء عليها، ومايجري لدينا من فساد ليس العالم بمعزل عنه، ولكننا قررنا محاربته علانية وبكل حزم وعزم ليعم الأمن والرخاء والازدهار في وطننا، وما تقوم به مملكتنا من جهود جبارة في القضاء عليه، يعد رسالة إنذار للعالم أجمع لخطورة هذه الظاهرة المتفشية والتي لم تسلم منها بلاد دون أخرى، وقد حذت الكثير من دول العالم حذو المملكة لمحاربته علانية، وعدم المواربة لإخفاء بؤره التي تعيق تطورها ونماءها، والعالم منذ أمد طويل يتكاتف للقضاء عليه ومكافحته، بشتى الطرق، وقد سنت الأمم المتحدة العديد من مبادئ وأحكام واتفاقيات، انضمت إليها الكثير من الدول ومن ضمنها المملكة، التي عزمت منذ تأسيسها على محاربته والقضاء عليه.

مثال عالمي

وليس غريباً أن تستنفر بلادنا كافة جهودها لمكافحة الفساد، فمنذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - والمملكة تسعى جاهدة للحفاظ على مقدرات بلادنا وتحقيق العدالة ومكافحة الفساد بشتى صوره، فأصدرت العديد من الأنظمة والقوانين لمحاربته والقضاء عليه، وردع المخالفين من خلال تطبيق العقوبات الرادعة بحقهم، وشهدت المملكة منذ بدايات التأسيس حرباً لا هوادة فيها لمكافحة الفساد فكان - رحمه الله - يؤكد في كل مناسبة أن المملكة قائمة على الكتاب والسنة وتحارب الفساد بشتى صوره، ومنذ عهده بدأت المملكة رحلة محاربة الفساد، وجاء من بعده أبناؤه البررة الذين ساروا على نهجه فصدرت العديد من القوانين والإجراءات لمكافحة جرائم الفساد، ومنها: قانون مكافحة الرشوة الخاص بالجرائم المتعلقة بحماية نزاهة الوظيفة العامة، جاء فيه: يعاقب من يخالفه بالسجن مدة تصل إلى عشر سنوات أو الغرامة المالية وتعويض المتضرر، فشهدت بلادنا عبر تاريخها المجيد تطورًا ملموسًا وكبيرًا وحازمًا للقضاء على رؤوس الفساد، حفاظا على مقدرات الوطنية، وإرساء العدالة وتطبيق الشريعة، فأصبحت المملكة مثالاً عالمياً يحتذى في مكافحة الفساد.

عزم وحزم

وتوالت القرارات الصارمة بحق كل من تسول له نفسه أن يمارس الفساد بكافة أشكاله، حيث استمرت وتيرة الحزم والعزم ضد المجرمين منذ عهد المؤسس الذي عزز مبادئ وقيم العدل والنزاهة بكل عزم وإصرار، وصولاً إلى عهد خادم الحرمين الملك سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله - الذي سار على نهجه محدثاً نقلة نوعية في مكافحة الفساد في المملكة، فمنذ توليه مقاليد الحكم، شن حرب حزم وعزم على الفساد والمفسدين، معتمداً بعد الله على صلابة المنطلقات الشرعية والتشريعية التي تكرس منهج البلاد منذ تأسيسها وتفعيل أنظمة مكافحة الفساد، وفق المعايير الدولية، لاستئصاله بكل أنواعه وأشكاله، ومحاسبة المتورطين أياً كانوا وتطبيق العدل والعدالة بحق من يثبت تورطهم أو إدانتهم، فأطلق مرحلة جديدة ترتكز على الشفافية المطلقة وفق مكانة المملكة ومبادئها وبما يليق ودوره المؤثر سياسياً واقتصادياً في العالم، قفزت المملكة إلى ترتيب متقدم ضمن قائمة أفضل دول العالم في مؤشر مدركات الفساد الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية، وكذلك على صعيد دول مجموعة العشرين حيث جاءت في الترتيب الحادي عشر في مكافحة الفساد.

ولا ننسى كلمة المك سلمان عقب تشكيل لجنة مكافحة الفساد العليا سابقًا، حيث قال حينها: إن الفساد بكل أنواعه وأشكاله آفة خطيرة تقوض المجتمعات وتحول دون نهضتها وتنميتها، مضيفاً: لقد عزمنا بحول الله وقوته على مواجهته بعدل وحزم لتنعم بلادنا بإذن الله بالنهضة والتنمية التي يرجوها كل مواطن.

لجنة عليا

وصدر الأمر الملكي الكريم بتشكيل لجنة عليا برئاسة سمو ولي العهد لحصر قضايا الفساد العام، تأكيد من خادم الحرمين الشريفين على الحزم في التصدي للفساد وتطبيق العدالة حيث قال: نظراً لما لاحظناه ولمسناه من استغلال من قبل بعض ضعاف النفوس الذين غلبوا مصالحهم الخاصة على المصلحة العامة، واعتدوا على المال العام دون وازع من دين أو ضمير أو أخلاق أو وطنية، مستغلين نفوذهم والسلطة التي أؤتمنوا عليها في التطاول على المال العام وإساءة استخدامه واختلاسه متخذين طرائق شتى لإخفاء أعمالهم المشينة، ساعدهم في ذلك تقصير البعض ممن عملوا في الأجهزة المعنية وحالوا دون قيامها بمهامها على الوجه الأكمل لكشف هؤلاء مما حال دون اطلاع ولاة الأمر على حقيقة هذه الجرائم والأفعال المشينة.

اجتثاث الفساد

وأضاف خادم الحرمين الشريفين: حرصنا منذ تولينا المسؤولية على تتبع هذه الأمور انطلاقاً من مسؤولياتنا تجاه الوطن والمواطن، وأداء للأمانة التي تحملناها بخدمة هذه البلاد ورعاية مصالح مواطنينا في جميع المجالات، واستشعاراً منا لخطورة الفساد وآثاره السيئة على الدولة سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً، واستمراراً على نهجنا في حماية النزاهة ومكافحة الفساد والقضاء عليه، وتطبيق الأنظمة بحزم على كل من تطاول على المال العام ولم يحافظ عليه أو اختلسه أو أساء استغلال السلطة والنفوذ فيما أسند إليه من مهام وأعمال نطبق ذلك على الصغير والكبير لا نخشى في الله لومة لائم، بحزم وعزيمة لا تلين، وبما يبرئ ذمتنا أمام الله سبحانه ثم أمام مواطنينا، مهتدين بقوله تعالى: "ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين"، وقوله صلوات الله وسلامه عليه: "إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، ولما قرره علماء الأمة من أن حرمة المال أعظم حرمة من المال الخاص بل وعدوه من كبائر الذنوب، وقد قال الله تعالى: "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل"، وإيماناً منا بأنه لن تقوم للوطن قائمة ما لم يتم اجتثاث الفساد من جذوره ومحاسبة الفاسدين وكل من أضر بالبلد وتطاول على المال العام.

محاسبة الجميع

والمملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد -حفظهما الله - عزمت على مواصلة الحرب ضد الفساد والمحافظة على مقدرات الوطن ومكتسباته، والإعلان عن مثل هذه القضايا، يثبت للجميع أن لا أحد في مأمن من الملاحقة القانونية، ويسجل لأجهزة بلادنا شفافيتها العالية، ورسالتها الواضحة أن "لا أحد فوق القانون"، وتنفيذاً حرفياً وعملياً لمقولة سمو ولي العهد عندما قال: "لن ينجو كائن من كان تورط في قضايا فساد"، فجعلها أمرا واقعًا وملموسًا، فشن الحرب بالقبض على رؤوس الفساد في انتصار يعد الأول من نوعه عالمياً، واتخاذ كافة الإجراءات ضدهم دون النظر لأي كان منصبه أو مكانته، فبدأ في محاربة الفساد من أعلى المستويات ومن ثم إلى الأسفل، ووجه بتعقب كل من تسول له نفسه التطاول على المال العام أو إساءة استعمال أو استغلال السلطة وفضحه ومحاسبته، قطعا لدابر كل من يستغل مصالحه الشخصية للاستغلال والتكسب غير الشرعي.

وبفضل الله انعكست محاربة الفساد بكل صوره على ترسيخ الشفافية والنزاهة على جميع مرافق الدولة ومعدلات الأداء والحفاظ على مواردها والمال العام، وإتقان وإنجاز المشروعات في مختلف القطاعات، تنفيذاً لأهداف رؤية 2030 على أرض الواقع للحاضر ومستقبل الأجيال وتعزيز قدرات ومكانة بلادنا في كل الميادين.